الوهابية في مواجهة الغلاة         نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية         نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية         سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها         لا عدوى ولا صفر         أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !         20 خطوة عمليه لعلاج الغضب          أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة          أحب الأعمال إلى الله          باب التوبة مفتوح          كيف تقاوم شهوتك!         استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ         خدمة الواتس اب          صيحة نذير ..         ألا إن نصر الله قريب           من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان          حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان         رسالتي لعبدالعزيز الريس         الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان          تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن               الوهابية في مواجهة الغلاة           نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية           نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية           سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها           لا عدوى ولا صفر           أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !           20 خطوة عمليه لعلاج الغضب            أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة            أحب الأعمال إلى الله            باب التوبة مفتوح            كيف تقاوم شهوتك!           استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ           خدمة الواتس اب            صيحة نذير ..           ألا إن نصر الله قريب             من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان            حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان           رسالتي لعبدالعزيز الريس           الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان            تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن  
جديد الموقع
التاريخ :15/10/1425 هـ آراء ومقالات أ . خباب بن مروان الحمد
البديل الإسلامي بين الانضباط والتسيب


بسم الله الرحمن الرحيم


 

 

(حدَّثتني إحدى الصالحات أنَّ ثلاث فتيات في مدرستها اتفقن على قيام الليل ـ ولكن من نوع آخرـ إنَّ برنامج ستار أكاديمي قد خلب لبَّهم ، وسحر فكرهم ، ولأجل ذا فقد تواعدن على أن يقسِّمن الليل إلى ثلاثة أثلاث كلُّ واحدة منهن تنظر في هذا البرنامج وتقوم بتسجيله ، ثمَّ تتصل على زميلتها بعد أن تنتهي ورديتها في ملازمة التسجيل لهذا البرنامج وتقوم الثانية بهذا الدور، وهكذا العمل مع الزميلة الثالثة إلى أن ينتهي البرنامج)


بهذا المنطق يتفاعل الكثير من الشباب والفتيات المنتسبين للإسلام حين يريدوا مشاهدة هذه البرامج الهابطة، والتي بثَّت أخيراً عبر الفضائيات، وجعلت لدى الشباب نوعاً من الهوس لإعجابهم بهذه البرامج المباشرة ، وكأنَّها مغناطيس يجذبهم بقوَّة وقهر، وليس لهم إلَّا تلبية رغبات النفس، وخطرات الروح.


أما آن للمصلحين أن يفيقوا من نومهم العميق، لإنقاذ شبابنا وفتياتنا من مأساة فكرية وشهوانية تعصف بهم ذات اليمين وذات الشمال ، وقد جعلتهم يتطايرون على الشَّاشات كالفراش وهم لا يشعرون!!


ودعونا أيها الفضلاء أن نراجع أنفسنا ، وننقد ذاتنا !فجزى الله علمائنا خيراً حين أفتوا بتحريم هذه البرامج ، وبينوا بلا لبس أو غموض حكم مشاهدتها ، والنظر إليها ، فقد أثَّرت تلك الفتاوى في البعض وأقلعوا عن مشاهدتها ـ ولله الحمد والمنَّة ـ


ولكن هل نكتفي بهذا، ومازال الكمُّ الهائل من شباب الأمَّة يشاهدون ويصفِّقون ، ويحلمون في منامهم ويقظتهم في ذكريات البرنامج الشبابي!


ألا يوجد لدينا حلولٌ وافرة ، وأكفٌ رفيقة ليِّنة تحتضن الشباب والفتيات في برامج إسلامية مشوقة ، ومشاريع تربوية وترفيهية ، وبدائل عن تلك المُثُلِ منضبطة بميزان الشريعة؟
أين أصحاب الحلول المنتجة ، أين أهل الثراء والمال والغنى ، أين أصحاب الأفكار الإبداعية ، والمشاريع الابتكارية؟


أين هم من الذي يحاك لشباب هذه الأمَّة ، ويخاط لهم وينسج في مواخير الفساد ، وأندية الظلام، والكواليس الخفية لتعليمهم دروساً في العربدة والشهوات؟


ترى لو أنَّ جيشاً عرمرماً أحاط ببلدة من بلاد الإسلام ، وأثخن فيها وأكثر من القتل والتعذيب لأبناء الإسلام ، ثمَّ خرج علينا رجل يبيِّن خبث هذا العدو ومكره، وحذَّر المسلمين من استقباله أو احتضانه... ثمَّ وقف إلى هذا الحد، واكتفى بهذا القدر.


هل سيؤدِّي هذا إلى دحر العدو وإنقاذ النَّاس؟ أم أنَّ هناك لوازم ينبغي إضافتها على ذلك الحدث!!


وبعد:


فإنَّ المراقب لهذه الأوضاع ، وتلك الأحداث ، ينبغي عليه أن يعرف أنَّ من أسباب وجوده في هذه الأرض دعوة الناس لدين ربِّ العالمين ، وتقريبه إلى قلوبهم،فليست كلًّ الدعوة بالمحاضرات ولا بالخطب، وليست كلُّها بالدروس أو الفتاوى  فحسب ، بل لا بد من استخدام جميع الوسائل المشروعة والمتاحة فالدعوة إلى الله لا تحدُّ بحدود ، ولا تقيد بقيود.
وحيث أنَّني شرعت في المقصد فإنِّ من الأولويات الهامة للعمل في حقل الدعوة الإسلامية ؛ الفهم الناضج لدى طلَّبة العلم، ومتعلمي الشريعة بالذات، ليخرجوا لنا بمحصِّلات مدروسة، ونتائج محروسة في فقه البديل الإسلامي المواكب لروح هذا العصر ومتطلباته ، وكيفية إنقاذ هذه الأمَّة المنكوبة من الأزمات التي تحلُّ بها سواء أكانت تعليمية أو تربوية أو اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو عسكرية وغيرها من ألوان المشاكل، وأشكال المحن.
والعالم الحق هو من وصفه الإمام أبو العباس ابن تيمية ـ رحمه الله ـ بأنَّه( الذي يعرف الحق، ويرحم الخلق) وأنَّه(كلَّما اتسعت معرفته بالشريعة وروحها ، كان أرحم بالعباد وأعظم الناس تيسيراً عليهم ورفقاً بهم).

وحين يتأمل الإنسان الهدي الربَّاني في القرآن الكريم يجد أنّه ـ سبحانه وتعالى ـ ما حرَّم على عباده شيئاً إلَّا وأبدلهم عوضاً عنه ما هو خير منه ، بل وصل ذلك إلى الألفاظ فإنَّه تعالى قال ( يا أيُّها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم) البقرة(104) فقد نهاهم ـ تعالى ـ عن ذلك لأنَّ فيه شبهاً بيهود حين كانوا يقولون ذلك لمحمد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ويقصدون بذلك السخرية به ـ عليه الصلاة والسلام ـ فنهى الله صحابة رسوله أن يقولوا هذه الكلمة  لمحمد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وأبدلهم بأن يقولوا له(انظرنا).


كذلك من تدبر سيرة المصطفى ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يجد ذلك واضحاً في منهجيته في التربية والتعليم، فإنَّه كان إذا حرَّم شيئاً أتى بالبديل المشروع مقابل ذلك الأمر المُحَرَّم لأنَّه يعلم أنَّ النفوس ضعيفة ، ومجبولة على حبِّ العوض والبديل ، وخذ أمثلة على ذلك/
فعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: جاء بلال إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بتمر برني، فقال له: النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من أين هذا ؟ قال بلال: كان عندنا تمر رديء ، فبعت منه صاعين بصاع لنُطعم النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فقال ـ عليه السلام ـ أوَّه أوَّه عين الربا عين الربا لاتفعل ، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثمَّ اشتره) رواه البخاري(2201) ومسلم (1593)


أتأملت أيها المبارك كيف أنَّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ  حين حرَّم فعل بلال ـ رضي الله عنه ـ نقله نقلة توعوية بديلة ومشروعة قبالة ذلك الأمر المحرم، وتلك صفة العالم الرباني ، والبصير بالواقع الذي حوله ولهذا قال الإمام ابن القيِّم في ذلك:(من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه،وكانت حاجته تدعوه إليه ،أن يدلَّه على ما هو عوض له منه،فيسد عليه باب المحظور، ويفتح له باب المباح ، وهذا لا يتأتى إلَّا من عالم ناصح مشفق قد تاجر الله وعامله بعلمه ، فمثاله في العلماء مثال الطبيب النَّاصح في الأطباء يحمي العليل عمَّا يضره ، ويصف له ما ينفعه ، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان ، وفي الصحيح عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنّهَ قال:(ما بعث الله من نبي إلأَّ كان حقَّاً عليه أن يدلَّ أمَّته على خير ما يعلمه لهم ، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم ) وهذا شأن خلق الرسل وورثتهم من بعدهم ، ورأيت شيخنا ـ قدَّس الله روحه ـ يتحرَّى ذلك في فتاويه مهما أمكنه ، ومن تأمَّل فتاويه وجد ذلك ظاهراً فيها ) أعلام الموقعين (4/121ـ 122) و سأنقل كلاماً للشيخ ابن تيمية في ذات الموضوع الذي مدحه به تلميذه ابن القيِّم حيث قال ابن تيمية:(إذا أراد تعريف الطريق الَّتي يُنَالُ بها الحلال ، والاحتيال للتخلص من المأثم بطريق مشروع يقصد به ما شرع له ، فهذا هو الذي كانوا يفتون به ـ أي السَّلف الصالح ـ، وهو من الدعاء إلى الخير، والدَّلالة عليه ، كما قال ـ صلَّى الَّله عليه وسلَّم ـ بع الجمع بالدراهم، ثمَّ ابتع بالدراهم جنيباً) وكما قال عبد الرحمن بن عوف لعمر الخطَّاب:( إنَّ أوراقنا تُزيَّفُ علينا أفنزيد عليها ونأخذ ما هو أجود منها؟ قال: لا ولكن ائت النقيع فاشتر بها سلعة ، ثمَّ بعها بما شئت) بيان الدليل على بطلان التحليل / صـ133.


ومن الأمثلة على ذلك من هدي المصطفى ـ عليه الصَّلاة والسلام ـ في أنَّه إذا منع شيئاً فتح لمن منعه باباً آخر من الأمر المشروع، والبديل المنضبط بمعيار الشَّريعة، ما رواه أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قدم النبي ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في الجاهلية ، فقال: (قدمت عليكم ولكم يومان تلعبون فيهما في الجاهلية ، وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما : يوم النحر، ويوم الفطر) أخرجه أحمد في المسند(3/103ـ178ـ235) وأبو داود(1134) والنَّسائي(3/179) بسندٍ صحيح.(واليومان الَّذين يلعبون فيهما أهل الجاهلية هما / يوم النيروز ويوم المهرجان  . وللمزيد انظر/ عون المعبود(3/485) للعظيم آبادي)


أرأيت ـ أخي القارئ ـ إلى هديه ـ عليه الصلاة والسَّلام ـ في ذلك، حيث أنَّه لا يرضى بوقوع المنكر، ولا أن يؤلف ، ولكنَّه ـ عليه الصلاة و السَّلام ـ يبيِّن خطر الشيء المحرَّم، ومن ثمَّ يبين البديل الشرعي عن ما حرَّمه الله ، ومن هنا فطن علماء الإسلام لتوضيح هذه القضيَّة في مدوناتهم ، ورسائلهم ومنهم شيخ الإسلام / ابن تيمية ـ طيَّب الله ثراه ـ فقد بيَّن بأنَّ المبتلى بالمنكر أو البدعة فإنَّه يتوجب على ناصحه أن يدعوه للإقلاع عن هذا الأمر المحرَّم ولو كان في ظاهره الخير، ومثَّل لذلك ابن تيمية، بالبدعة فقال:(إذا كانت في البدعة من الخير فعوِّض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئاً إلَّا بشيء...فالنفوس خلقت لتعمل لا لتترك، وإنَّما الترك مقصود لغيره) اقتضاء الصراط المستقيم(2/125)


ومن هذا المنطلق فإنَّ البحث المضني من العالم أو المربي أو المفكر لما يخدم به أمَّة الإسلام من برامج جذَّابة تكون بديلاً عن ما هو متاح ويستطاع الوصول إليه بأسرع الوسائل، وأدنى السبل ؛ من الضرورة بمكان وخاصَّة في هذا العصر الراهن فأمتنا تحتاج لبدائل كثيرة في عدَّة مضمارات ، وتحتاج للبدائل المفيدة عن القنوات الفاسدة التي تنشر الغثَّ بلا سمين ، وتلهي النَّاس عن دين ربِّ العالمين ، وإيقاعهم بفتن الشبهات أو الشهوات ، وما البرامج الأخيرة التي نشرت في هذه القنوات الفضائحية كسوبر ستار، وستاركلوب ، وستار أكاديمي ، وتحدي الخوف، وغيرها إلَّا شاهداً قويَّا على أنَّ أهل العلمنة والكفر والفجور يريدون إلهاء الأمة وشبابها عن قضاياها الكبرى ، وشؤونها المصيرية ، بل كانت تعرض بعض هذه البرامج العاهرة في الوقت الذي تضرب فيه بلاد الرافدين (العراق) بالصواريخ ، وتقصف بالطائرات ، وتجتاح بالدبَّابات والمجنزرات ، وكذلك في فلسطين المباركة في أزمة الحصار المشدد على مدنها وقراها ، وعمليات الاغتيال الصهيوني لقادة الجهاد والصمود ، في الوقت الذي كان فيه كثير من شباب العالم الإسلامي قد أطلق بصره ، وأرخى سمعه لما يعرض في هذه الفضائيات من مشاهد مخزية ، يستحيا والله من ذكرها.


 
إنَّ شباب وفتيات المسلمين اليوم يعانون من أزمة الفراغ المدقع ، فليس لهم من الأعمال التي تشغلهم أيُّ أثر ، ولذا يحاول الكثير منهم أن يفرَّ إلى هذه الشاشة ويسمِّر عينيه صوبها ، لعَّلَّهم يلبون بعض رغبات النفس وهواها ، وكما هو معلوم فإنَّ الفراغ للرجال غفلة ، وللنساء غلمةـ أي تحريك للشهوة ـ وصدق من قال:

لقد هاج الفراغ عليه شغلاً      وأسباب البلاء من الفراغ

وإذا كنَّا قد علمنا مكمن الدَّاء ، وموطن الخلل ، فليت دعاة الإصلاح والتغيير أن يستشعروا المسؤولية الفردية والجماعية ، والتأهل للإنقاذ وللمشاريع الإصلاحيَّة لهذا الشباب التائه، الذي قلَّ من أخذ بيده ، وبيَّن له طريق النَّجاة ، والحلول المثمرة ، والبدائل النافعة والإيجابيَّة.
في الوقت نفسه فنحن لا نريد حلولاً مستوردة من الغرب الكافر، ولا بدائل غير شرعيَّة ، أو فيها تنازلات عن سنَّة خير البرية ، فمعاذ الله أن ينصح بذلك وقد قال الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ شيئاً من هذا القبيل ثمَّ أعقبه قائلاً:(لكن لا يجوز لأحدٍ أن يغيِّر شيئاً من الشريعة لأجل أحد) اقتضاء الصراط المستقيم(2/133)


بيد أنَّ من أراد أن يحمل نفسه على تجنُّب البدائل المباحة ، والالتزام بالأوامر والنَّواهي الشرعية فله ذلك ، وصاحب العزمات يأخذ بالأقوى ، وقد يكون في جانبه أفضل ، إلَّا أنَّ عليه أن لا يقارن نفسه بغيره من الناس ، ويفرض رأيه على ضعفاء الدين ، وقليلي الإيمان ، ومن المعلوم بأنَّه إذا أردت أن تطاع فأمر بالمستطاع.


ولن يستطيع الداعية بقدر ما أوتي من فصاحة وإقناع أن يصنع ذلك المجتمع المثالي المتخيل في الذهن ، وخاصَّة أننا نعيش في هذا العصر المنفتح ، والذي تعجُّ فيه الفوضى الفكرية ، والمتنوعات الثقافيَّة ، وكلٌّ منها تضغط بطرف على العقول والأمزجة محاولة أن تقنعها بمثلها ومبادئها.


فمهمَّة الدعاة إذاً أن يأتوا البيت من بابه ، ويضعوا الحقَّ في نصابه، ويرشدوا أبناء هذا الجيل مبيِّنين لهم مخطَّطات الغرب، ووسائل المجرمين بالإطاحة بهذا الجيل عن غاياته النَّبيلة وأهدافه السَّامية.


وثمة نقاط أحبُّ أن أذكِّر بها نفسي ومن سلك طريق الدعوة ، وكل قارئ لهذا المقال ، يجدر التنبيه إليها ، والتلويح بها/


1
ـ يجدر بدعاة الإسلام وأهل التربية أن لا يخاطبوا الناس من برج عاج ، أو صومعة فكرية ، بل ينزلوا في ميدان الناس ، وواقع البشرية ، ويتداخلوا معهم ، ويتأملوه حقَّ التأمل فما كان فيه من خير أثنوا عليه وأشادوا به ، وما كان فيه من خطأ فلينبهوا الناس له، ويرسموا لهم طريق الصلاح ، ويزنوا جميع الأمور بمعيار الشريعة ، ويعطوهم البدائل المباحة بقدر الإمكان ، وإيجاد الحلول والمخارج الشرعيَّة،لا الحيل الباطلة البدعيَّة.


فأمَّا التشديد على الناس في أمورهم فهذا لا يليق بدعاة الحق والرشاد، بل هو أمر يحسنه كلُّ أحد ، وقد قال الإمام سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ(إنَّما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التَّشدد فيحسنه كلُّ أحد) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر(1/784) وقال الإمام أحمد بن حنبل:(من أفتى ليس ينبغي أن يحمل النَّاس على مذهبه ويشدِّد عليهم) الآداب الشرعية لابن مفلح(2/45) ولا يعني ذلك أن نكون مماثلين لدعاة العصرنة والمسايرة لهذا العصر، والتراجع تحت ضغط الواقع ، والَّذين يتبنون تتبع رخص العلماء وزلَّاتهم ويبنون عليها أحكاماً يقنِّنونها للناس حتَّى يتعاملوا بها فإنَّ هذا غير هذا ، ولاشكَّ أنَّ التفريط أخٌ للإفراط ، فالمطلوب أن يكون الدَّاعية وسطياً في فتاويه وآرائه على وسطيَّة أهل السنَّة والجماعة  ورحم الله من قال:


عليك بأوساط الأمور فإنَّها      نجاةً ولا تركب ذلولاً ولا صعبا


ولهذا فإنَّ العالم الذي جمع بين العلم والتربية لن يغفل عن دراسة نفسيَّات النَّاس ، وإعطاء كلَّ ذي حقٍ حقَّه من الحكم الملائم له، ورضي الله عن الإمام ابن تيمية حين علَّق على حديث رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ( كلُّ لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلَّا رميه بقوسه ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته امرأته فإنَّهنَّ من الحق) أخرجه ابن ماجه (2/940) والنَّسائي ،أنظره مع شرح السيوطي(6/185) بسند صحيح.


فقد علَّق ابن تيمية على هذا الحديث تعليقاً نفيساً مبيناً خلاف ما يعتقده البعض من قارئي هذا الحديث بأنَّ كلمة (الباطل) فيه يعني (المحرَّم) فقال:
( والباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة، فهذا يرخص للنفس الَّتي لا تصبر على ما ينفع ، وهذا الحقُّ في القدر الذي يحتاج إليه في الأوقات الَّتي تقتضي ذلك: الأعياد والأعراس وقدوم الغائب ونحو ذلك) الاستقامة(1/277) ـ وقد كان في هذا الموطن يتكلَّم عن ضرب الدف وأنَّه للنساء فقط وأنَّ الرجال لم يكن منهم أحد يفعل ذلك في عهده ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ولهذا ذكر ابن تيمية أثراً عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ يقول: إنِّي لأستجمُّ نفسي بالشَّيء من الباطل،لأستعين به على الحق) مجموع الفتاوى(28/368)
ومن هنا نستنتج أنَّ معرفة الدَّاعية لنفسيات المدعوين وأهل المعصية ومراعاتها كلٌ بحسبه، بأنَّه من أهمِّ المهمات ليتدرج معهم في إزالة ما لديهم من قصور ديني ، فهو خبير بأنَّ الخروج عن المألوفات من أشق الأشياء على النفوس ، ولذا فإنَّه يعطيهم من البدائل المباحة الَّتي تجعلهم يتناسون ما كانوا عليه، متدرجاً بهم بهذه الطريقة إلى مرحلة القناعة والطمأنينة بما هم فيه،ومن أقوى ما يحتجُّ به لذلك ، ما قاله عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه يوماً منكراً عليه عدم إسراعه في إزالة كلِّ بقايا الانحراف والمظالم والتعفية على آثارها ورد الأمور إلى سنن الراشدين:

مالك يا أبتِ لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي، لو أنَّ القدور غلت بي وبك في الحق!!
وتأمل كيف كان جواب الأب الفقيه عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ(لا تعجل يا بني ، فإنَّ الله ذمَّ الخمر في القرآن مرتين وحرَّمها في الثالثة ، وإنِّي أخاف أن أحمل النَّاس على الحقِّ جملة فيدعوه جملة، فيكون من ذا فتنة) الموافقات للشاطبي(2/94)
ولهذا فإنَّ التدرج في الوصول إلى الحقِّ بهذه التربية سببٌ أكيد لقناعة المدعوين ، وليأخذوا بهذه الأحكام بتمام الرضى  والفهم العميق لمقاصد الشريعة الإسلامية، قال الإمام ابن القيِّم(إنَّ حكمة هذا التدريج ؛ التربية على قبول الأحكام ، والإذعان لها ، والانقياد لها شيئاً فشيئاً) بدائع الفوائد(3/184)


2
ـ التشجيع للشباب المخلصين بإيجاد البدائل الشرعية، وإنتاج المشاريع والبرامج المعينة والجذَّابة لمن ابتلي بمتابعة الصور الهابطة ، والأصوات المحرَّمة، وإنَّ من أهمِّ الأمور في ذلك بثُّ روح الإبداع والتفكير،والابتكار والطُّموح لصناعة البدائل وإيجادها والموافقة لروح الشَّريعة والاستفادة من المعطيات الجديدة، وتنمية الحس لأهمية الإطلاع والقراءة ، وكسر جميع الحواجز الَّتي تحول للإتيان بالجديد، وبورك في الشباب الطَّامحينا.
وما قتل البعض منَّا إلَّا الترديد لتلك المقولتين القائلتين ، ليس بالإمكان أحسن مما كان ، وما ترك الأولون للآخرون شيئاً ، فإنَّ هاتين المقولتين أصبحتا سمَّاً يلوكه كلُّ يائس أو كسول أو رجل ألف التقليد، مع الضَّحالة العلمية والعقم الفكري ( وحين يكون هناك جدب ثقافي ، وضحالة فكرية فإنَّ الإنسان لا يهتدي إلى كثير من البدائل الَّتي تتاح لأهل الثَّراء الفكري) من كتاب / خطوة نحو التفكير القويم ـ ثلاثون ملمحاً في أخطاء التفكير وعيوبه لعبد الكريم بكَّارصـ59.


وقد أحسن الأستاذ المفكِّر جمال سلطان ـ وفقه الله ـ حين كتب( فإذا لم يكن لدى الأمة ومشروعها الحضاري ، بديل جاد ومتفوق يمتلك الجاذبية الفنِّية العالية ، ويتحرك على تقنيات فنِّية رفيعتة المستوى ،أو إذا لم يكن بمقدور المشروع الحضاري أن يحقق موازنة جديدة بين النشاط العلمي، والنشاط الترفيهي، أو لم يكن بمقدوره إعادة صياغة المدركات العامَّة للأمة ، بما يحقق وعياً جديداً لمفهوم الوقت ، وتقسيمه وقيمته ودوره ، أو تباين ذلك كلِّه بين الأمم ، حسب متطلَّباتها الإنسانية ، وحسب مناهجها الفكرية العقائدية (الآيديولوجية) وحسب مكانتها الحضارية ، وحسب تحدياتها التاريخية والمستقبلية ، أي أنَّه ـ بوجه عام ـ إذا لم يكن لدى المشروع الحضاري خططه وبرامجه للسيطرة على وقت الفراغ فسيكون ذلك بمثابة تأشيرة دخول مفتوحة للتَّيارات الثقافية والقيمة والأخلاقية والأجنبية ، لكي تنفذ إلى صميم الأمَّة من خلال ثقب (وقت الفراغ)) مقدمات في سبيل مشروعنا الحضاري صـ62ـ63.


3
ـ عدم الدوران في فلك الذات ، وإغلاق منافذ البصيرة في وجه أيِّ جديد بحجَّة أنَّ هذه العولمة المعاصرة أكثرها شرٌ وفساد ، بل ينبغي أن ننفتح على كلِّ جديد ونوازنه بالشرع فما وافقه فحيَّ هلا ، وما خالفه فإن استطعنا أن نبيد مادَّة الحرام منه فعلنا، وإن لم نستطع فلنضرب به عرض الحائط ولا نبالي، ورحم الله من قال:

 

والشرع ميزان الأمور كلها   وشاهد لأصلها وفرعها

ومن جميل كلام أبو حفص النيسابوري(من لم يزن أفعاله وأقواله كلَّ وقت بالكتاب والسنَّة ، ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال) الاستقامة لابن تيمية /96ـ99.

شاهد ذلك أنَّه قبل أن نحكم على أي شيء فعلينا أن نعرف حقيقته وماهيته ، ثم يُطلق الحكم الشرعي المناسب له ، والقاعدة الأصولية تقول / الحكم على الشيء فرع عن تصوره.


4
ـ لا يعني أنَّه إذا نودي بإيجاد البديل المنضبط ، أن يكون هذا ديدن الدعاة ، بل ينبغي أن ينادي الدعاة بأنَّه ليس كلُّ شيء حرِّم يستطاع أن يؤتى ببدائل تحل عنه، وأنَّ هذا البديل الذي استهلك العقل البشري في التفكير لإيجاده ، ليس شرطاً أن يكون فيه كلُّ مظاهر اللذَّة والمتعة عن الشيء المحرَّم، إلَّا أنَّه ينبغي أن تكون فيه مادَّة تصرف من تعلقت نفسه بالماضي ، وتكون فيه روح شفَّافة جذَّابة ليتعلق بها.


لكن من المهم جدَّاً أن يواكب هذا التغيير لتلك النفس البشرية التي نشأت من قريب على طاعة الله بأن تربى هذه النفس على طاعة الله ، وأن يكون ديدنها لأوامر الله ونواهيه بكلمة (سمعنا وأطعنا) و إذا كان البديل ليس على مستوى درجة الجاذبية لما ألفته النفس في الماضي ، أو في أيام الجاهلية فلا يعني ذلك أن ترجع النفس لماضيها ، لأنَّ ذلك من تبديل نعمة الله على العبد والتنكر لها.


بل يكون على لسان المسلم الأثر المعروف ( من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه) وهذا التعويض كما ذكر علماء الشريعة إمَّا أن يكون في الحياة الدنيا، أو أن يكون ذلك في دار الآخرة وجنَّة الرضوان.


5
ـ أن يتعدى الدعاة والمصلحون مرحلة المدافعة والتحذير، إلى مرحلة المواجهة والتبشير، ولقد كانت هذه وصيَّة رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لبعض أصحابه فقال:(بشِّروا ولا تنفروا ، ويسروا ولا تعسروا) أخرجه البخاري في كتاب العلم(2001) ، ومسلم في كتاب الجهاد(251)


فالعقلية الإسلامية تحتاج في هذا الزمن الصعب أن تكون داعية خير وتبشير، أمَّا مجرد النقد اللاذع، والإبقاء على هذا المنهج فلن يوصل المسلمين إلى مرحلة سبَّاقة ، بل يجعلهم ذلك يرجعون للوراء لأنهم لم يعرفوا كيف يواجهوا هذا العصر بتقنياته، وما هي اللغة المناسبة له ، ولذا فإنَّ المثل القائل بأنَّ إيقاد شمعة خير من لعن الظلام ؛ مثل رائع، يحتاجه  دعاة هذا العصر، فإنَّ مجرد التشكي من أبناء هذا الزمان وهذا الدهر لن يفيد شيئاً ، والغريب أنَّ كثيراً من الشباب الصالح قد صار ديدنه في بعض اللقاءات التحدث بمآسي هذا الجيل ، على حدِّ قول الشاعر:


كلُّ من لاقيت يشكو دهره     ليت شعري هذه الدنيا لمن

لكنَّ القليل من يحاول أن ينقي الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه، ويبين الخلل والاهتراءات التي حلَّت في وسطه ، محاولاً التغيير والإصلاح بالحكمة الحسنة والكلمة الطيبة، حتى يتم المقصود، وينال المراد.


إننا نحتاج حاجة ماسة لإعادة النظر في الطرق التربوية التي أَلِفَهَا بعض المربين أكثر من أربعة عقود من هذا الزمان ، أو وسائل الدعوة التقليدية والتي كانت منذ عشرات السنين وبقي الكثير على نمطها.


نحتاج لوسائل البلاغ المبين ، ولجميع المنابر التي نتواجه بها مع أبناء الجيل المسلم ، والاستفادة من المعطيات الحديثة التي تتناسب مع طبيعتنا الشرعية ، ومثلنا العقدية ( ومن خلال معرفتنا بسنن الله ـ تعالى ـ والتي تبرز لنا طبائع الأشياء ، يرتقي لدينا ما أسميه بـ(فقه الطرق المسدودة ) وهو فقه عظيم لا نجده في أي كتاب ، وإنَّما في سفر الوجود الهائل والمترامي ، حيث إننا من خلال الممارسة العملية نكتشف الهائل والمترامي، وما لا يمكن الوصول إليه ، وبذلك الاكتشاف نقترب من معرفة ما هو متاح ، كما أنَّنا نوفر على أنفسنا عناء (الحرث في البحر) حيث ألف الكثيرون منَّا تبديد الجهد والوقت والمال في محاولات الوصول إلى أشياء ليس إلى الحصول عليها أي سبيل) جزء من كلام الدكتور:عبدالكريم بكَّار في كتابه تشكيل عقلية إسلامية معاصرة صـ78.


إنَّ الداعية ـ باختصار ـ من ينفع أمته ، ويبين لها طرق الخير، فهو كما قال الشاعر:

واضح المنهج يسعى دون غـش أو نفاق
راضي النفس، كبير القلب، يدعو للوفاق
قلـبـه المـؤمن بالخـالق مشــدود الوثــاق
نبـضه الـذاكـر يمـتد إلى الســبع الطـــباق


7
ـ وقبل الختام فهناك تنبيه/وهو في الحقيقة أمر وقع فيه بعض الأخوة الدُّعاة ـ هداهم الله ـ في قضيَّة البديل،فالمراقب لبعض البدائل التي أتيح نشرها داخل الأوساط الإسلامية يجد أنَّها قد تجاوزت ـ وللأسف ـ الحدود الشرعية، وصار فيها من التنازلات عن الشريعة الشيء الذي ينذر بوقوع حالة مكارثية ممن لهم توجهات إسلامية ، فأكثرهم لم يدرسوا هذا الدين على حقيقته ، وإن كانوا من(محبي الإسلام) ولا شك ، لكنهم يتصرفون بعض التصرفات المخلة بهذا الدين ، لأنَّ كثيراً منهم ينتج إنتاجه الإعلامي أو الاقتصادي أو التربوي ولا يستشير إلَّا أمثاله من قليلي العلم ، وضحلي المعرفة في الجذور الإسلامية ، أضف على ذلك قلَّة استشارتهم لأهل العلم وفقهاء الشريعة الربانيين، في عرض مثل هذه المنتجات، وأخذ آرائهم تجاهها، ومن ذلك :


1
ـ ما يسمى بفيديو كليب فقد شاهد البعض من طلبة العلم مثل هذه البرامج ، وما يعرض فيها من الأناشيد وما يصاحبها من تكسر وتميع ، وحركات لا تمت إلى الرجولة بصلة ، بل فيها من مشابهة بعض الفسقة من المغنين في حركات الرجل وضرباتها الخفيفة على الأرض ، أو حركات اليد والتي تدغدغ مشاعر الرجال فضلاً عن الفتيات ( المراهقات) ثمَّ يسمَّى هذا العمل إنتاجاً إعلامياً (إسلامياً).


فهل هذا من البديل الذي اشتُرِطَ أن يكون منضبطاً بميزان الشريعة ، ومأموناً لجميع شرائح المجتمع؟!


2
ـ ما صار يصاحب بعض أشرطة الأناشيد الإسلامية من ضرب بالدف ويرافقه أصوات الصلاصل والمزاهر والخلاخيل ، دع عنك أن يرافق بعضها الضرب بالطبل ، والجهاز المسمى بجهاز(السامبر)، وأجهزة الكمبيوتر والتي سجِّل في بعضها بعض النغمات من الكمنجة ، والبيانو، كلُّ ذلك بحجة أنَّ هذا من البديل [الإسلامي] وأنَّه إذا لم نضع مثل هذه الملحقات مع الأناشيد فإنَّ السامعين للأناشيد الإسلامية سيكون تعدادهم قليلاً!! وأنَّ أفضل وسيلة لجذبهم هي هذه الطريقة ولأجل الارتقاء بالفنِّ الإسلامي البديع!!
والإجابة عن هذه الحجَّة الباطلة قد يطول ولكنَّنا نقول: إنَّ من أراد أن يقدِّم للناس بديلاً مشروعاً فعليه بأن يتقي الله ـ سبحانه وتعالى ـ ويرضيه قبل إرضاء إيِّ طرف من الناس، وليتذكر المرء حديث رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ( من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس ، ومن أسخط النَّاس برضا الله كفاه الله مؤنة الناس) أخرجه ابن حبَّان بسند جيد ـ انظر:السلسلة الصحيحة (2311)

والحقيقة أنَّ هؤلاء القوم المنتسبون للدعوة ويصاحبون في أعمالهم ما حرَّم الله بحجة اجتماع الناس عليهم وللمصلحة العقلية الموهومة فإنَّهم وكما قيل في المثل: يريد أن يطبَّ زكاماً فيحدث جذاماً ، فلا هم للبديل نصروا ، ولا للمعصية كسروا ـ نسأل الله لنا ولهم الهداية ـ.


3
ـ لا شكَّ أنَّ العالم الإسلامي اليوم ، يحتاج لمصارف إسلامية ، وبنوك تتعامل مع الطبقات البشرية بالشريعة الإسلامية، ونحن نحمد الله ـ تعالى ـ أن صار لهذه البنوك وجوداً ولو كان بطيئاً في شوارع بعض الدول الإسلامية والتي تلبي رغبات التجَّار، وتعين المساكين وتقدِّم لهم البذل والمعونة ، وتقرضهم القروض التي لا تجر نفعاً ، وتتعامل مع من يريد تنمية ماله بالمعاملات المشروعة كالمضاربة والمشاركة والمساهمات التجارية.

بيد أنَّ هناك ـ وللأسف ـ بنوكاً أرادت أن تسوق بضاعتها بزيادة (الإسلامي) على كلمة ( البنك) للتغرير بعوام المسلمين ، وعقول البسطاء والمساكين ، ليتعاملوا معهم ويشتركوا في معاملاتهم المالية وأكثرها ـ عياذاً بالله ـ من أبواب الحيل الباطلة ، والتي يتمُّ معظم معاملاتها المصرفية بالتحايل على أبواب الشريعة، جاعلين زلَّات العلماء المتقدمين ، ورخص المعاصرين المتساهلين ديدنهم في الترويج للالتحاق بهم والتعامل معهم.
فيا سبحان الله !! وهل أصبحت البدائل المسماة إسلامية بهذا الشكل المرعب ، وأصبح البعض الذي ليس له من الثقافة الإسلامية رصيداً ولو يسيراً، يسوِّق لما يريد فعله ويضيف عليه كلمة (إسلامية) أو(إسلامي)أو على ( الشريعة الإسلامية) على طرفة السمك المذبوح على الطريقة الإسلامية! وإذا كان البعض هكذا؛ فليحذروا من عقوبة تحلُّ بهم من الله ـ عزَّ وجل ـ ونقمة شديدة يوم القيامة إن لم يتوبوا ويتداركوا أمرهم.


4
ـ ومن ذلك بعض فتاوى المنتسبين للعلم والدعوة بأنَّه يجوز للمرأة أن تشترك مع الرجل في التمثيل على شاشات الرائي(التلفاز) بحجة أن الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال( النساء شقائق الرجال) ، وأنَّ المرأة نصف المجتمع ولها دورها فيه ، فلا بأس عليها أن تشارك في التمثيل بشرط أن يكون (إسلامياً).


والحقيقة أنَّ هذا يفتح باباً كبيراً لأهل العلمنة والفسق في محاولة التدرج بمن أردن التمثيل من النساء المنتسبات للخير والدعوة في مهاوٍ توقعهم في الردى، وفي أصعب الظروف ، وأحلك المواقف ، هذا عدا أكثر من عشرة مخالفات شرعية في هذا الباب.


5
ـ ومن ذلك ما يسمَّى بالأفلام المدبلجة ، والتي أنتجتها بعض الشركات الإعلامية الكافرة،أو الشركات الفاسقة ، فما كان من البعض إلَّا وأن حذف منها أصوات الأغاني والموسيقي، وظّنََّ أنَّ تسمية هذه الأفلام بأفلام إسلامية هو الهدف الرئيس ، مع أنَّ البعض من هذه الأشرطة فيها من التلوثات العقدية، والآراء الهدَّامة ما يقشعرُّ له البدن ، ويهتز له الفؤاد، من بعض الألفاظ الشركية ، والعادات المخالفة للقيم الإسلامية ، كالشرب بالشمال، والنوم على البطن ، وعدم تشميت العاطس، والسخرية بمن ابتلي بسمنة أو داءٍ في جسده ، ومظاهر الاختلاط بين الرجال والنساء، وعرض بعض صور النساء كاشفات لشيء من شعورهن وإبراز بعض مفاتن جسدهن ، ومع ذلك تبقى أشرطة إسلامية !!


فأين المراقبة الإعلامية المتخصصة ، وأين المراجعة والتدقيق الشرعي على مثل هذه الأشرطة المد بلجة؟


بل ظهرت بعض الأفلام الإسلامية !! يقمن فيها فتيات جميلات قد قارب أكثرهنَّ البلوغ في السنِّ العاشرة والحادية عشرة ، يقمن بالإنشاد الإسلامي، مع بعض حركات الرقص المرافقة لإيقاع الدف ، ويكون بالطبع معهن بعض الأحداث الفتيان ينشدون جميعاً عند بحر، أو تلٍّ ، وتقدِّم إحدى الفتيات وردة حمراء لأحد الأحداث الذكور وهي تبتسم ابتسامة ساحرة!!
حدَّثني بذلك ـ والله ـ جمع من الشباب الذين كانوا على طريق الغواية ثمَّ منَّ الله عليهم بهدايته ـ سبحانه ـ فأقلعوا عمَّا حرَّم الله ، وقالوا لي جميعاً اشترينا هذه الأشرطة من التسجيلات الإسلامية! ورأينا أناسا يشترونها! وكنَّا نتناوب على مشاهدة هذه الأفلام! لما فيها من الصور (الإسلامية)!!!


بل قرأت لأحد هؤلاء المنتسبين للإسلام مقالاً كتبه في إحدى الجرائد يطالب فيه بديسكو إسلامي! وما أدري والله ماذا زوَّر أمثال هؤلاء في صدورهم بعد ذلك من البرامج(الاستسلامية للواقع). 


وصدق من قال في هذا الزمن:


زمان رأينا فيه كلَّ العجائب      وأصبحت الأذناب فوق الذوائب

والآن...أساءل أصحاب هذه البدائل الظالمة...أسائلهم بالله العلي العظيم أذلك كلُّه من باب البديل الإسلامي المنضبط ، عن أشرطة الفسق والمعصية؟ (إنَّ هذا لشيء عجاب)
لقد تعدى الأمر حدَّه ، وخرج عن أصله ، وبلغ السيل الزبى ، والله المستعان..
فليتدارك أمثال هؤلاء القوم منهجهم ، وليصلحوا أمرهم ، وليتوبوا إلى ربهم ، ويعودوا إلى بارئهم ، ولا يكونوا سبباً لإفساد الشباب ، وهم يظنون أنهم مصلحون.
ونبقى نقول نعم للبديل ولكنْ بالضوابط الشرعية، والالتزامات العقدية ، وتحت استشارة أهل الشريعة، ولا للبديل المتسيب ، والذي شطَّ عن الصواب ، وانخرط في دوائر الانفلات ، وأُقْحِمَ في الشبهات, فإنَّ هذا ليس له مكان في قلوب أهل الإيمان، ويبقى الحقُّ عليه دلائل الإشعاع الربَّاني ، والباطل عليه دلائل التحايل العصياني.( فأمَّا الزَّبد فيذهب جفاءً ،وأمَّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب اللَّه الأمثال)ومن الله الحول والطول ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم أجمعين .والحمد لله رب العالمين..


كتبه

 خباب بن مروان الحمد

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تتحمل شبكة نور الإسلام أي مسؤولية عنها ولا تتبناها بالضرورة.

«««« لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا »»»»

شروط نشر التعليق

- أن يكون حول الموضوع وليس خارجه.
- الالتزام بأدب الرد والنصح والبيان.
- اجتناب ألفاظ السوء.
- ونأسف على حذف كل تعليق لا يلتزم بالشروط أعلاه.

 

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

1  -  الاسم : ابو زهرة        من : الرياض      تاريخ المشاركة : 16/10/1425 هـ
انه حقا مقال رائع ولكن يبقى السؤال الذي كنت أظن أن جوابه سيأتي في نهاية المقال (ولو في صورة مقترحات) ما هو البديل؟ 
أهو في قناة كذا وكذا الفضائية والتي انتشرت في بيوت الملتزمين؟ أم في شرايط الافلام الكرتونية التي تسمى الاسلامية؟ والسؤالان الأخيران من الاهمية بحيث لابد من الاجابة عليهما من اهل العلم ومن كاتب المقال لأنهما أي شرايط الكرتون وقناة كذا وكذا انتشرا انتشارا واسعا فلزما تقييمهما وبيان هل من اخذ بذلك الحل هو في مأمن أم هناك ملاحظات عليه تلافيها والحيطة منها ؟ 
والله الموفق  
والسلام
2  -  الاسم : عبد الله بن سالم        من : السعودية      تاريخ المشاركة : 19/10/1425 هـ
جزاكم الله خيراً  
 
واقترح ما يلي : 
1- ان تخرج فتوى تكون مدروسة شرعياً مع إطلاع واسع بالواقع ثم توزع على المؤسسات الإعلامية الإسلامية . 
2- أن لايتصل صاحب الدراسة بواقعه فقط ! ثم ينكر على من يخالف واقعه ، ولكن عليه أن يكون ذا سعة بواقع الناس بشرط أن لا يقع في التساهل ، ومعنى ذلك ، أن يطيل النظر في البحث دون التعجل وأن يأخذ تفصيلات دقيقة ، فعندما يريد أن يفتي في مسألة في البنوك ، فمن السهل أن يقول مباشرة " لا يجوز" ، أو أن يقول " لا أرى في ذلك بأساً " ، وهذا من الأسباب التي دعت الناس إلى التساهل بالفتيا ، ولكن طالب العلم يبرز في أنه يلم الواقع إلماماً واسعاً ثم يدرسه دراسة شرعية دقيقة ثم يخرج لنا فتوى ، فعندما يبحث عن مسألة في المعاملات في البنوك فعليه أن لا يكتفي باطلاعه للواقع أن يسأل موظفي البنوك فقط ! بل عليه مثلاً أن :  
أ- يسأل إدارة البنك عن طريقة تعاملهم مع تلك المعاملة ( وهذه الخطوة ليست كافية فمن السهل أن تعطيه الإدارة معلومة خاطئة لدرء ما يفسد عليهم عملهم ، وأنت باحث عليك أن تعتني بجانب الدقة ، فالمسألة لا تتعلق بك وحدك حتى تكل الذنوب إلى الإدارة نفسها ) 
ب - يرجع إلى الكتب المعاصرة والمقالات في شؤون البنوك وطريقة تعاملاتهم " أقصد الرجوع إلى الأسس التي تعتمد عليها البنوك سواءاً كانت مقالات أو كتب غربية أو عربية . 
ج- بعد أن يخرج الدراسة لا يخرجها بالحكم الشرعي وجمع الأدلة فقط ،بل عليه تفصيل ما بحثه شرعياً و واقعياً . 
ليس مراد كلامي عن البنوك فقط ، بل في جميع البحوث والدراسات التي تحتاج إلى وقت في البحث , 
2- أن ينكر على من يبيع أو ينتج الأشرطة التي يكون في بعضها المخالفات الشرعية . 
 
4- إقامة مشاريع عملية في البدائل الإسلامية وعدم الكلام المفرط في تعداد البدائل دون العمل على إقامتها ، فكل يجيد الكلام ولكن من يجيد العمل . 
 
5- نشر الوعي بين الناس بأنه ليس شرطاً أن تجد في كل ما تشتهيه بديلاً ، نحن لا ننكر ما للبدائل من أهمية ومن ضرورة محققة ، ولكن لا يعني من ذلك أنه إذا لم يوجد بديل فإني سأتخذ المحرم لي بديلاً !!
3  -  الاسم : محمد        من : السعودية      تاريخ المشاركة : 19/10/1425 هـ
جزاكم الله خيراً
4  -  الاسم : اسعد المعموري        من : [email protected]      تاريخ المشاركة : 28/3/1426 هـ
لايسعني الان الا ان اشكر جهودكم في ازالة الغبار على ادمغة الشباب العربي

طباعة 5334  زائر ارسال