الوهابية في مواجهة الغلاة         نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية         نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية         سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها         لا عدوى ولا صفر         أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !         20 خطوة عمليه لعلاج الغضب          أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة          أحب الأعمال إلى الله          باب التوبة مفتوح          كيف تقاوم شهوتك!         استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ         خدمة الواتس اب          صيحة نذير ..         ألا إن نصر الله قريب           من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان          حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان         رسالتي لعبدالعزيز الريس         الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان          تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن               الوهابية في مواجهة الغلاة           نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية           نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية           سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها           لا عدوى ولا صفر           أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !           20 خطوة عمليه لعلاج الغضب            أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة            أحب الأعمال إلى الله            باب التوبة مفتوح            كيف تقاوم شهوتك!           استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ           خدمة الواتس اب            صيحة نذير ..           ألا إن نصر الله قريب             من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان            حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان           رسالتي لعبدالعزيز الريس           الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان            تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن  
جديد الموقع
التاريخ :11/5/1427 هـ منبر الجــمــعـــة د. رياض بن محمد المسيميري
الأجازة الصيفية

 

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لـهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ لـه . وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ لـه, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَـمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )) (آل عمران:102). (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً )) )النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً )) (الأحزاب:70-71) .

أما بعدُ : فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرَّ الأمورِ مـُحدثاتُها, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار

أما بعد ، أيها المسلمون :

ففي هذه الأيام, يتطلَّعُ أقوامٌ إلى الإجازةِ الصيفيةِ بفارغِ الصبر فهم يخرمونَ حقائبَهم، ويُعدُّون تذاكَرهم استعداداً لقضاءِ الإجازةِ خارجَ البلاد.

حيثُ تتنافسُ لندن وباريس وأسبانيا وجنيف وغيرها من عواصِم العالمِ ومنتجعاتِه, على اصطيادِ السُياحِ المسلمين, وتقديمِ كلِّ ما يعشقونه من أسبابِ البلاءِ والشرِ, والفتنه, حتى أضحى السفرُ إلى الخارج بدعوى السياحة والنزهة، أضحى مصيبةً من مصائب المسلمين وفواجعهم، تضاف إلى رصيدهمُ الضخم من المصائبِ والكوارث الاجتماعية, في عصرِ الانحطاطِ والتخلفِ, والهزيمةِ النفسيةِ المُرَّة,

أيها المسلمون : وممَّا يزيدُ الأمرَ سوءً, والبلاءَ بلاءً, هو قيام البعض باصطحاب أُسرِهم وفَلَذاتِ أكبادِهم، إلى تلكَ البلادِ البائسة, والبيئاتِ الموبوءةِ الملوثة, معرضينَ أنفسَهم وأهاليهِم إلى مخاطرَ عقديةٍ, وأخلاقيةٍ وسلوكية, لا يعلمُ مداها إلا اللهُ جلَّ جلاله. بل وأسوأُ من ذلك أن يجازفَ بعضُهم فيرسلُ أولادَه وبناتِه لوحدِهم إلى هناك, حين تُجبره ظروف عملِه على البقاء أو يفنى رصيدُه من الإجازات, أو يُفضلُ اختيارَ وجهةٍ أخرى بمفرده, تمنحُه مزيداً من الحريةِ والانطلاقة, فيا حسرةً على العباد ! وبادئ ذي بدء أيها الأحبة في الله فإنَّنا حين نطرحُ موضوعاً كهذا, ونناقشُ قضيةً كهذه، ونُحذرُ من السفرِ إلى الخارج، فإنَّنا لا نُلقي الكلامَ جُزافاً، ولا ننطلقُ من عواطفَ وانفعالاتٍ جيَّاشة, ولكنَّنا ننطلقُ من منطلقاتٍ شرعية, وأدلةٍ ثابتةٍ في الكتاب والسُنَّة, تُحرِّمُ السفرَ إلى بلادِ الكُفارِ أو الإقامَة بين ظهرانيهم .

ففي الحديثِ الثابتِ عنه عليه الصلاةُ والسلامُ يقول : ((أنا برئ من مسلم يبيتُ بين ظهرا ني المشركين ، لاتترآى نارُهِما))[1].

وهو كما ترى أخي المسلم كلامٌ جادٌ لا يقبلُ التأويل, ووعيدٌ أكيدٌ لا يقبلُ الميوعة، يجسم النبي صلى الله عليه وسلم من خلالهِ هذه القضيةَ الساخنة، وإن أبى ذلك عُشَّاقُ السفرِ والسياحةِ, وأشدُ من ذلك قولُه عليه الصلاةُ والسلام : ((من جَامعَ المشركَ، أو سكنَ معه فهو مثلُه))[2].

ومعنى الحديث – من اجتمعَ مع المشركِ في بلده، أو سكنَ معه في بيتِه، فهو مثلُه في الشركِ, والكفر والإلحاد .

فرحماك يا إلهي – رحماك يا الله !!

وأمَّا القرآنُ الكريم ففيه ما تتفطرُ له الأكباد, وترتعدُ له الفرائص, وتصطكُ له الأسنان, فحين تخلفَ نفرٌ من المسلمين عن الهجرةِ إلى المدينة، وآثروا البقاءَ في الأرضِ التي ولدوا فيها، والبلادِ التي نشأوا في جنباتِها, حيث تخلف أولئك وفضَّلوا البقاءَ بين ظهرا ني المشركين, إذا بالقرآنِ الكريم ينزلُ متوعداً ومتهدداً أولئك المتخلفين بنبرةٍ حادَّة، ولغةٍ جادة لا يفهمُها إلا العقلاءُ فقط .

((إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً)) (النساء:97) .

فلم يُستثنْ من أولئك إلا المستضعفين من الرجالِ والنساءِ, والولدان, أرأيتَ أيها المسافر هذا الوعيدَ الشديد لأولئكَ المتخلفينَ في مكة, مع أنهم بالتأكيد لم يكونوا سياحاً, أو طُلاَّبَ مُتعة, ولكنَّهم كانوا هم أهلَ البلاد ورثوها كابراً من كابر, ونشاءُوا فيها منذ نعومةِ أظفارهم, ولينِ أكفهم.

أمَّا النبيُ صلى الله عليه وسلم وأصحابهُ الطيبين، فقد امتثلوا أمرَ ربهِم فهاجروا من مكة بكلِّ طواعيةٍ واختيار، مع أنَّها أحبُ البلادِ إلى قلوبِهم، وأقربُها إلى نفوسِهم، هاجروا من مكة, يومَ كانتْ مكةُ دارَ كفرٍ وإلحادٍ، فالمسألةُ مسألةُ عقيدة، والقضيةُ قضيةُ جنةٍ ونار، وهما أمران لا يستخفُ بها إلا المغفلون, إذ أنَّ حبَّ أرضٍ ما، أو حبَّ السفرِ إلى هنا أو هناك، لا ينبغي أن يُقدمَ على ما يُحبُه اللهُ ورسولُه مهما كانتْ الأسبابُ والمبررات .

(( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً )) (الأحزاب:36) .

فلا عجبَ إذاً أنْ يخرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من بلدهِ وأرضهِ, ثم يقفُ على مشارفِها فيقول : والله يا مكة إنَّك أحبُ البلادِ إلى الله, ولولا أنَّ قومَك أخرجوني ما خرجت, لعلك عرفت الآن أيها المسافر أنَّنا لا ننطلقُ من فراغ، ولا نتقدمُ بين يدي اللهِ ورسولِه، ولكنَّنا ننطلقُ من أدلةٍ شرعية, ونصوصٍ ثابتة تُحرِّمُ السفَر إلى بلادِ الكفار دون مبرراتٍ مشروعة, وأنت تعلمُ - يا رعاك الله-أنَّ للسفرِ ضريبةً غاليةَ الثمن، يدفعُها المسافرُ على حسابِ عقيدتهِ وأخلاقهِ وسلوكه. فمخاطرُ السفر على العقيدةِ والأخلاقِ والسلوك، لا ينكرُها إلا مكابرٌ أو جاهل، أو شخصٌ لا يريدُ أن يفهم، فأمَّا مخاطرهُ العقدية, فأذكرُ منها جانبين فقط. أما الأول : فهو تمييعُ مفهومِ الولاءِ والبراء، وإذابةُ حاجزِ النُفرة من الكُفَّار, والدارسون لقضايا العقيدةِ وأصولِ الدين يدركونَ جيداً, أنَّ معاداةَ الكفارِ وبغضَهم, والنُفرَة منهم وكراهَيتهم، أصلٌ أصيل وركنٌ ركين من أصولِ العقيدة, فإذا كانَ الأمرُ كذلك فلنا أن نتساءلْ, هل من بُغضِ الكفارِ وكراهيتِهم، التسَابقُ إلى السفرِ إلى بلادِهم، والتفاخرُ في طولِ الإقامةِ بين ظهرانيهم ؟! أجيبوا أيها المسلمون ؟ أفتونا يرحمكم الله ! وأمَّا الجانبُ الثاني : من خطرِه العقدي فهو تعريضُ الأهلِ والأولاد لمخاطِرَ المنصرين المنتشرينَ كالجراد في أماكنِ تجمعِ السُيَّاح، يهدونهم النشراتِ التنصيريه، ويدعونهم إلى عقيدتِهم الوثنية، واعتقادِ ما فيها من الخرافاتِ البَاطلة والخزعبلاتِ التافهة .

ويُرغبونهم في الذهابِ إلى كنائسِهمُ المهجورة وإحياءِِِ الصلواتِ فيها .

ناهيكَ عن برامجِهمُ الترفيهيةِ المجانية, على أنغام الموسيقى والأناشيد ِالكفرية المؤلهةِ للمسيح، والداعيةِ للتثليث, فلا تسل بعد ذلك عن مدى تأثرِ النساءِ والصبيان, وحتى البالغين بذلك السيلِ الجارف من التنصيرِ المركز .

أيها المسافر: وأمَّا المخاطرُ الأخلاقية: فما ظَنُّك ببلادٍ تَعدُ الفاحشةُ فيها هي الأصل,  والعفةُ شذوذٌ وتخلفٌ ورجعية .

وما بالُك ببلادٍ إذا لم تتخذْ الفتاةُ عشيقاً لها بعد البلوغ، فهي مريضة ! فهي مريضة  بحاجة إلى عرضِها على طبيبِ الأمراضِ النفسية !

يمنحُها الثقةَ بنفسِها, ويدعوها إلى بذلِ عرضها لأولِ عابرِ سبيلٍ تصادفُه, لتنعَم بالشفاءِ بعد ذلك, أيُّ فرصةٍ تقدمونها أيها المسافرونَ لأولادكم حين تصطحبونَهم إلى بلادٍ ينتشرُ فيها الزنا، ويُتخذُ البغاء تجارةً وحرفةً تتبناها الدولة، وتُمنح لأجلِها التصاريح، وتُجبى من ورائها الضرائب, أيُ جنايةٍ يرتكبُها أربابُ الأسر حين يسافرون بمراهقيهِم والشهوةُ تتأججُ في صدورهم إلى بلادٍ فيها كلُ شيءٍ إلا الفضيلة, وفيها كلُ شيءٍ إلا العفة, وفيها كلُ شيءٍ إلا الطُهرَ والنزاهة

أمَّا حاناتُ الخمور ففي كلِّ شارعٍ وناحيةِ طريق, يشربُها الفُسَّاقُ هناك كما يَشربونَ الماء، ويستنشقونَ روائحَها المنتنة كما يستنشقونَ الهواء, يشربُونها قياماً وقعوداً, جلوساً ورقوداً, غدواً وعشياً وحين يظهرون, فما الذي يردعُ المراهقين الصغارَ والكبار عن طرقِ بابِ التجربة؟ وهم يرونَ إعلاناتِها تملأُ الشوارع, وتُعرض عبرَ وسائلِ الإعلام بطريقةٍ مُغرية وأساليبَ ماكرة .

ما لذي يردعُ مراهقي الشبابِ والكهول عن الرشفةِ الأولى، وخطوةِ الألفِ ميل لتكونَ هي بدايةَ السقوط في شباكِ الإدمان الذي يصعُب علاجُه.

أيها المسافرون : وأمَّا المخدرات، فأنتم تعلمونَ جيداً أنَّ عصاباتِها ومُروجيها

لا يكادُ يخلو منها حيٌ من أحياءِ تلك المدنِ البائسة, يتصيدونَ ضحاياهم بأساليب ملتوية وإغراءاتٍ مدروسة, يُقدمونَ المخدرات في يد، والداعراتِ في اليدِ الأخرى، ليقعَ المُغررون في براثنِهم, ويَسقطونَ في أَسارِهم, فلا تكادُ تقومُ لهم قائمةٌ بعد ذلك, فمن ذا الذي يأمنُ على نفسِه, أو على واحدٍ من أولاده أن تزلَّ به القدم، فيقعُ في شباكِ أولئك المجرمين، إما رغبةً تحت مطارقِ الإغراء, أو رهبةً تحت وَقع التهديد والإكراه، وإذا لم تكن تعرفْ ما المخدرات, فالمخدرات: عينان حمروان، وخدَّان غائران, ووجهٌ مُصفر، وجسمٌ هزيل, وعقلٌ معطل, ومروءةٌ ذاهبة, ورجولةٌ ممسوخة, وكرامةٌ مدفونة, وغيرةٌ مغتالة .

أيها المسافرون: وأما المخاطرُ الأمنية, فنحنُ وأنتم عاجزونَ عن وصفِ حبلِ الأمنِ المضطرب, وجدارِ الطمأنينةِ المتداعي, ولكن حسبُنا إشاراتٌ عابرة، ولمحاتٌ سريعة,  وتذكيرا تٌ عاجلة, علَّها تكونُ كافيةً في تثنيكم عمَّا عزمتم عليه من السفر إلى تلكَ الديارِ المخيفة، حمايةً لأنفسكم، وحفظاً لأرواحِكم على الأقل إن لم يكنْ رغبةً في حفظِ عقائدكم وأخلاقكم, أو الوقوف عند حدودِ ربكم ومولاكم, فأنتم تعلمون أنَّ الجريمةَ في تلكَ البلاد لم تعدْ تأخُذ طابعَ الارتجالِ والفردية, ولكنَّها أصبحتْ اليوم جريمةً مُنظمة وعصاباتٍ مُدربة, وخبراءُ متمرسون جعلوا من الحياةِ جحيماً لا يُطاق، وعذاباً لا يُحتمل, وساد قانونُ الغاب، ومنطق هذا قويٌ وهذا ضعيف, وانطلقَ المجرمونَ والقتلةُ يسفكونَ دماءَ الناس, وينتهكونَ أعراضَهم في ظلِ غيبةِ الجزاءاتِ الرادعة، والعقوباتِ الحازمة,  وأصبح دمُ الإنسان أرخصَ من دمِ البعوض، بحيث يكفي أن يرى المجرم ساعةَ يدٍ تُعجبُه, أو دولاراً يسيلُ له لُعابه حتى ينقضَ على فريسته بعدةِ طعنات ترديه قتيلاً دونَ أن يتحركَ أحدٌ لإنقاذِه، في ذلكَ العالمِ البهيميِ المخيف .

وقد بلغ من قوةِ نفوذِ عصاباتِ السرقةِ والإجرام, أن اقتسمتْ الأحياءَ والشوارع,  وسيطرتْ كُلُّ عصابةٍ على حيٍ أو منطقةٍ ما, لتمارسَ إجرامَها وابتزازَها لكلِّ من يعبُر مناطقَ نُفوذِها, في غيبةٍ تامةٍ لرجالِ الأمن.

فأيُ نُزهةٍ وسياحةٍ تلك التي يبحثونَ عنها في تلك الأجواءِ المخيفةِ المضطربة .

أيها المسلمون: وقدْ يتشبثُ بعضُ المسافرين بحججٍ واهية، وأعذار ٍساقطة، فيدَّعي بعضُهم رغبَته في تعلمِ اللغةِ الأجنبية, أو إجراءِ الفحوصاتِ الطبي, أو نحوِها من الدعاوى, مع أنَّه يعلمُ جيداً أن تعلمَ اللغةِ الأجنبية أمرٌ ميسور من غير حاجةِ السفرِ إلى هناك, وأمَّا الفحوصات الطبية فلا يعجزُ عنها أصغر مستشفى في بلادنا !

فليتق الله أولئك، وليعلموا أنهم إنَّما يخادعون أنفسَهم، وأما الله جلَّ جلاله فهو أجلُّ وأعظم من أن يخادعَه أحد، وليتذكروا أنَّهم مسؤولون عن إضاعتِهم الأمانة، وتبد يدِهم الأموالَ الطائلة في أسفارٍ لا مردود من ورائها, لو أحسنوا استخدامَها لروَّحوا عن أنفسهِم ترويحاً بريئاً, ولفرَّجوا عن فقراءِ المسلمينَ وضعفائِهم, إذ ربَّما كانت قيمةُ تذكرةٍ واحدةٍ في الدرجةِ الأولى إلى لندن أو باريس كافيةً لإعاشةِ أسرةٍ بأكملها لمدةِ عامٍ كامل, ولكنْ ما الحيلةُ وقد قستْ القلوبُ، وتبلدتْ الأحاسيسُ، وماتتْ الضمائرُ ، وأصبحَ البعضُ يعيشُ لنفسِه وملذاتِه ورغباته، ولو ماتَ الآخرونَ أو احترقوا، أو طويت بُطونُهم من الجوعِ والفاقةِ والحرمان .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وأيا كم بالذكر الحكيم .

واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم .

 

الخطبة الثانية

الحمد لله يعطي ويمنع, ويخفض ويرفع, ويضر وينفع, ألا إلى الله تصيرُ الأمور. وأصلي وأسلم على الرحمةِ المهداة, والنعمة المسداة, وعلى آله وأصحابه والتابعين,

أما بعد ُ :

فلسَّفرِ آثارُه الخطيرةِ على الفتاةِ المسلمةِ على وجهِ الخصوص، حيثُ بفسادِها تتمرغُ سمعةُ أهلِها ومكانتُهم بالتراب، ويشقى بها مجتمعُها كُلُه، فما بالك بفتاةٍ تحركُها العاطفة, تتابعتْ أمامَ عينِها مشاهدُ مريبة أصابتها بالذهولِ والدهشةِ, ثم ألِفتهَا واعتادتها, ثم عشقَتها بعد ذلك حتى اهتزتْ ثقتُها بمعتقداتِها وقناعتها, ثم أخذتْ تلك الاعتقاداتُ والقنا عات تتهاوى واحداً بعد الآخر مع كلِّ يومٍ يَمُر عليها في أرضِ المصيف .

ما ظَنُّك أيها المبارك ! وما ظنُّك أيها المسافرُ !! بفتاةٍ ضعيفةٍ مسكينة, وجدتْ نَفسَها فجأةً في مجتمعٍ إباحي تُرتكب الفاحشةُ فيه على قارعةِ الطريق, ماذا تُراه يجولُ في خاطِرها ويتحركُ في نفسِها وهي ترى نظيرتَها الأوربيةَ والأمريكية قد حسرتْ عن فخذيها وذراعيها، وتأبطتْ ذراعَ شابٍ عربيد يجوبان الشوارع على أنغامِ الموسيقى الصاخبة .

فاتقوا الله أيها المسافرون : واحفظوا بناتِكم ماءَ وجوهِكم قبل أن تقعَ الكارثة , وينكسرَ الزجاج, ودعونا من الكلامِ الفارغ والثقةِ المزعومة, فالمرأةُ هي المرأة, والذئبُ هو الذئب, والشيطانُ حيٌ لم يمت .

أيها المسلمون : وقد يتحجج بعضُهم باعتراض الأُسرة وغضبِ الأبناء، ويتساءلُ عن البديل فأمَّا غضبُ الأسرةِ والأبناء فليس مقدماً على غضبِ اللهِ ونقمتِه . فامتناعُه عن السفرِ بهم ليس بغضاً لهم, وحنقاً عليهم, وإنما وقايةً لهم من النار واستجابةً لنداء الرحمن : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )) (التحريم:6) .

ولربِ الأسرة ممارسةُ حقِّ القوامةِ على أهلِه وأولاده,

وإقناعهمِ بالتي هي أحسن, ومداراتهم بالتي هي ألين، فإن استجابوا وإلا كان قولُه: 

فليتكَ تحلُو والحياةُ مريرةٌ    ::  وليتَك ترضى والأنامُ غضابُ

إذا صحَّ منك الود فالكلُّ هين  ::  وكُلُّ الذي فوقَ الترابِ ترابُ

وأما البديل: فهو موجودٌ بحمد الله، فالبديلُ المباح متوفرٌ بكثرة فللترويح البريء  ألفُ طريقةٍ وطريقة, فمصائفُنا في الجنوب مضربُ المثلِ في الجمالِ الخلاب, والطبيعةِ الجذابة, والرياضِ الغناء, فضلاً عن أجوائِها المعتدلة ومجتمعِها المسلمِ المحافظ. كما أنَّ الإقامةَ في الطائف تهيئ للمصطافِ الأجواء اللطيفةَ الممطرة, والمصائفَ الجميلةَ الممتعة فضلاً عن القُربِ من المسجِد الحرام, بحيثُ ينزلُ إليه المصطافونَ كلَّ أسبوعٍ أو أسبوعين, يجددونَ إيمانهم ويسعدُون قلوبَهم, ويحفظونَ أولادَهم وذرارِيهم. هذا إذا كُنَّا نبحثُ عن الترويحِ البريء , والمتعةِ المباحة .أما إذا كانتْ هناك مآربُ أخرى.

فاللهُ يقول : ((اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير)) (فصلت: 40).

اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهم زينا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه إمام المتقين وقائد الغر المحجلين وعلى أله وصحابته أجمعين .

وأرضي اللهم عن الخلفاء الراشدين أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي

اللهم آمنا في الأوطانِ والدور وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون.



[1]- رواه ابن كثير في تفسيره عن أبي جعفر ابن جرير( ج/2 ص231) .

[2] - رواه ابن كثير في تفسيره (ج/1 ص400) .

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تتحمل شبكة نور الإسلام أي مسؤولية عنها ولا تتبناها بالضرورة.

«««« لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا »»»»

شروط نشر التعليق

- أن يكون حول الموضوع وليس خارجه.
- الالتزام بأدب الرد والنصح والبيان.
- اجتناب ألفاظ السوء.
- ونأسف على حذف كل تعليق لا يلتزم بالشروط أعلاه.

 

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

طباعة 7100  زائر ارسال