الوهابية في مواجهة الغلاة         نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية         نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية         سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها         لا عدوى ولا صفر         أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !         20 خطوة عمليه لعلاج الغضب          أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة          أحب الأعمال إلى الله          باب التوبة مفتوح          كيف تقاوم شهوتك!         استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ         خدمة الواتس اب          صيحة نذير ..         ألا إن نصر الله قريب           من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان          حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان         رسالتي لعبدالعزيز الريس         الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان          تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن               الوهابية في مواجهة الغلاة           نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية           نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية           سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها           لا عدوى ولا صفر           أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !           20 خطوة عمليه لعلاج الغضب            أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة            أحب الأعمال إلى الله            باب التوبة مفتوح            كيف تقاوم شهوتك!           استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ           خدمة الواتس اب            صيحة نذير ..           ألا إن نصر الله قريب             من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان            حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان           رسالتي لعبدالعزيز الريس           الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان            تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن  
جديد الموقع
التاريخ :16/5/1431 هـ عايض بن سعد الدوسري
تأملات في مؤتمر "ماردين"

قرأتُ بتعجبٍ بالغ ما نشرته بعض الصحف ووسائل الإعلام عن فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل ماردين، وذلك بمناسبة مؤتمر "ماردين" الذي أقيم بدولة تركيا، وفي مدينة ماردين في يومي السبت والأحد بتاريخ:27ـ 28 ــ 3 ــ 2010 م ، والذي أثار استغرابي هو تلك اللغة التهويلية والتضخيمية التي تعاملت بها بعض تلك الوسائل مع المؤتمر، وما صاحبه من لمز وهمز في شيخ الإسلام ابن تيمية وفي فتواه، حيث وُصِفَ المؤتمر بأنه عملية إهالة التراب على فتوى ابن تيمية، وأنه محاكمة لابن تيمية وفتواه، وأن تلك الفتوى كانت مرتكز الجماعات التكفير، وغير ذلك من التصريحات الصحفية التي لم تتحر الدقة والعلمية كعادتها، حتى ظننتُ من هذا التهويل والتضخيم أنهم يتحدثون عن مؤتمرٍ آخر غير الذي حضرته وشاركتُ بورقة فيه!

 

وحيث إنني كنتُ أحد المشاركين في ذلك المؤتمر، وألقيتُ ورقةً حول تلك الفتوى، وعن ظروفها وسياقاتها الزمنية والمكانية، وعن مضمونها، فإنني أرغب في تقديم بعض التأملات حول مؤتمر وفتوى "ماردين"، من وحي المؤتمر ومن وحي تلك الورقة التي أُلقيت أمام المؤتمر، وذلك كما يلي:

 

أولاً: تأملات حول مؤتمر ماردين.

 

(1) كانت هناك ثمرة إيجابية كبيرة بالنسبة لي شخصيًا في حضور هذا اللقاء، ويتمثل ذلك في الالتقاء ببعض الفضلاء وبعض الشخصيات، والتي لم يكن لديَّ عنهم سابق معرفةٍ، فكان اللقاء فرصة للتعرف على بعضهم، ومعرفة الحجم العلمي الحقيقي لآخرين.

 

(2) "مؤتمر ماردين" في نظري الشخصي لا يرقى لمستوى "مؤتمر" لافتقاره للشروط المطلوب توافرها في المؤتمر، بل لا أبالغ إذا قلتُ أنه أيضًا يَقصر عن كونه "ندوة علمية"، ويمكن أن يُقال: إنه لقاء ثقافي صحفي عام، يفتقر للعمق والتأصيل العلمي.

 

(3) لاحظتُ في هذا اللقاء عدم الترتيب والتنسيق المطلوب والذي ترقى له المؤتمرات العلمية الجيدة، فعلى مستوى شخصي كنتُ مدعوًا لإلقاء ورقةٍ بعنوان: "موقف ابن تيمية من المخالفين"، ثم لما وصلتُ إلى مدينة ماردين أخبرتُ أنه لا يُراد مني أن أتحدث عن هذه الورقة في هذا اللقاء!

 

ولذا اضطررتُ إلى تغييرها أثناء وجودي في ماردين للحديث عن الموضوع الذي أدرج باسمي وهو (فتوى ماردين الزمان والمكان العصر والملابسات) وكانت تلك الورقة تحت اسم: "إياد الدوسري"! وكان الوقت الأصلي المخصص للورقة هو (30) دقيقة، ثم تفاجأتُ قبل إلقاء الورقة ببضع دقائق أن الوقت خُفِضَ إلى (15) دقيقة!

 

(4) كان المفترض على المسئول عن اختيار المشاركين في اللقاء أن يختار شخصيات لها وزن علمي وتخصص في ابن تيمية وتراثه، واعتقد أن لقاء ماردين كان يفتقر بشكل واضح للحيادية، وهذا ظاهر من القائمة الأصلية للحضور، والمفترض لإقامة مؤتمر عن شيخ الإسلام ابن تيمية إن تُدعى شخصيات حيادية ولها وزن علمي لمناقشة هذه القضية العلمية، وهذا ما لم يحصل في القائمة الأصلية، وكذلك بنسبة كبيرة فيمن حضروا.

 

(5) ولتوضيح ذلك أكثر، فإنه لم تكن مشاركتي أو مشاركة الأستاذ الدكتور عبدالله البراك، ولا الدكتور ناصر الحنيني ضمن القائمة الأصلية، حيثُ أخبرنا عن المؤتمر قبله بأيام معدودة، ولم تكن الدعوة قد وجهت إلينا أصلاً من "المركز العالمي للتجديد والترشيد" الذي يظهر لي أنه الداعي والمنظم الرئيس للمؤتمر.

 

(6) من خلال حضوري، وجدتُ اللقاء يفتقر للشخصيات العلمية المتخصصة في هذا المجال، ومع أن بعض الفضلاء والعلماء حضروا، إلا أن نسبة من المشاركين لم يكن متخصصًا في ابن تيمية ولا في تراثه، بل ولا ينتمي لمدرسته، والقائمة الأصلية للمدعوين تتضمن جمعاً من المعدودين خصوماً لابن تيمية، فكيف يُطلب من هؤلاء مناقشة تراث ابن تيمية للوصول إلى حلٍ يُقنع الجماعات الإسلامية المسلحة أو المتطرفة التي يُزعم أنها تعتمد ابن تيمية مرجعًا لها؟! فموقف كثيرٍ من هؤلاء لا وزن له عند المختصين في تراث ابن تيمية والمدرسة السلفية، والتفسير الصادر من هؤلاء لفتيا ابن تيمية يعطي المزيد من الدعم لموقف تلك الجماعات في تنزيل فتيا ابن تيمية على غير موضعها.

 

(7) ظهر لي أن هناك تناقضًا واضحًا بين قائمة المدعوين الأصليين وبين الهدف المنشود من المؤتمر، وهو ترشيد فتوى ماردين لتقديم القراءة الصحيحة، والتأثير على الجماعات التي تعتبر ابن تيمية مرجعًا لها.

 

(8) لاحظتُ قلة الحضور في هذا المؤتمر، كما أنني شهدتُ عجزًا واضحًا عن الإجابة عن أسئلة بعض الحضور الحساسة والحرجة، مما اضطر بعضهم للخروج ساخطين من ذلك، وبعض تشكى من التهرب عن الإجابة الواضحة والصريحة.

 

(9) لذا فإن التهويل الذي صاحب وأحاط هذا اللقاء لم يكن له مستندٌ من الواقع، بل هو أقرب لأن يكون "زوبعة في فنجان"، لافتقار اللقاء للعمق العلمي والتخصص.

 

(10) حتى هذا اليوم الأربعاء تاريخ:14/5/1431هـ الموافق 28/4/2010، فإنني لم أطلع على البيان الختامي للقاء، وذلك بسبب عدم حضوري في جامعة "ماردين" وقت تلاوة البيان، ولم أطلع على نسخة منه حتى هذه اللحظة، وقد فاجأني بعض الفضلاء بأن اسمي وضع ضم قائمة الموقعين على البيان الختامي، مع أنني –كما قلتُ آنفًا- لا أعلم ما فيه حتى لحظتي هذه، ولم يتم استئذاني في ذلك، ولو تم استئذاني –وهو الأولى بالأمانة العلمية- لما وافقتُ؛ لسببين: الأول: رفضي المبدئي العام للتوقيع على أي بيان جماعي، فمبدأ البيانات العامة والجماعية أرفضها رفضًا مطلقًا، ولم أدرج اسمي مطلقًا ضمن أي قائمة جماعية في الماضي، ولن أفعل بإذن الله في المستقبل. الثاني: الموافقة على الشيء حكمٌ، والحكم فرعٌ عن التصور، وأنا حتى هذه اللحظة لا أعلم محتوى البيان؛ لأنني لم أطلع عليه، ولا أعلم أنه قد أدرج اسمي عليه، وأقل حقٍ أدبي أن أستأذن في ذلك. علماً أن هناك غيري ممن أدرج اسمه في البيان دون إذنٍ منه.

 

ثانيًا: تأملات حول فتوى ماردين.

 

في هذه النقطة سوف أسوق تلخيصًا لبعض النقاط في الورقة التي أعددتها في يوم المؤتمر عن فتوى "ماردين" وألقيتُ جزءًا منها أثناء اللقاء، كما يلي:

 

(1) فقد ذكرتُ في أول نقطة ألقيتُها في اللقاء أن انقسام الدار إلى: دار إسلام ودار كفر، قد ثبت بالروايات الصحيحة، وهو تقسيم له أصل شرعي صحيح، وليس هو من مخترعات الفقهاء، وإن اختلفوا في تفاصيله.

 

(2) تنوعت آراء العلماء تبعًا لاختلافهم في مناط الحكم على الدار، وما الشيء الذي يجعل الدار دار كفرٍ أو دار إسلام. وهل المقصود من "ظهور الأحكام" ظهور السلطان المسلم على الدار، أو أنَّ المفهوم من عبارة "ظهور الأحكام" هو ظهور شعائر الإسلام على يد سكانها المسلمين. ثم اختلف العلماء: هل يمكن أن تتحول دار الإسلام إلى دار كفر؟ على خمسة أقوال ليس هذا موضع تفصيلها.

 

(3) هناك كتابات تقعيدية عامة ونظرية لأقسام الدور تحدث عنها العلماء، واجتهدوا في بيان مناط الحكم على الدار، وحالة "ماردين" كانت حالة عينيَّة واجهت الفقهاء عمليًا زمن التتار، وقد لاحظ ابن تيمية رحمه الله في تلك الحالة أنها مركبة من محتل كافر ومن سكان مسلمين، فسمى تلك الحالة بالدار المركبة.

 

وتجدر الإشارة إلى إنه قد يفهم من نص فقهي متقدم أن هذا القول قد سُبِقَ ابن تيمية إليه، كالعبارة التي حكاها ابن عابدين في شروط أبي حنيفة فيما تصير به "دار الإسلام" "دار حرب".

 

(4) أنَّ في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في ماردين، من الأهمية والجوهرية ما يقطع الطريق على ما تستنبطه الجماعات المسلحة، وذلك في أمور:

 

أولاً: أنه لم يعتبرها دار حربٍ، وأعتبر أهلها من المسلمين.

 

ثانيًا: أنه لم يوجب الهجرة منها.

 

ثالثًا: نصَّ فقال في أهل ماردين: "دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها". وقال عنهم: "ولا يحل سبهم عمومًا ورميهم بالنفاق".

 

رابعًا: إنَّ الذي يظهر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يرى أن العبرة بإسلامية الدار هي ظهور الشرائع، لا ظهور السلطان المسلم. يقول شيخ الإسلام : "وكون الأرض دار كفر ودار إيمان أو دار فاسقين ليست صفة لازمة لها ؛ بل هي صفة عارضة بحسب سكانها فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت وكل أرض سكانها الفساق فهي دار فسوق في ذلك الوقت فإن سكنها غير ما ذكرنا وتبدلت بغيرهم فهي دارهم".

 

وقال: "وكون البقعة ثغرًا للمسلمين أو غير ثغر، هو من الصفات العارضة لها لا اللازمة لها، بمنـزلة كونها دار إسلام أو دار كفر أو دار حرب أو دار سلم، أو دار علم وإيمان أو دار جهل ونفاق، فذلك يختلف باختلاف سكانها، وصفاتهم".

 

فهذا الكلام يشعر بأن شيخ الإسلام يميل إلى اعتبار أن مناط الحكم على الدار هو أعمال أهلها.

 

(5) قلتُ في ورقتي في ذلك اللقاء: إنني اعتبر هذه الفتوى من مظاهر فقه شيخ الإسلام وعدله وتسامحه، فهو مع اعتباره أن المحتل كان كافرًا، فإنه لم ير أن الدار تحولت إلى دار حرب أو كفر، بخلاف غيره من فطاحلة العلماء كإمام الحرمين الجويني والهيتمي والرملي والسرخسي، وغيرهم كثير، الذين اعتبروا أن حالة ماردين هي دار حرب خالصة.

 

(6) أبديتُ استغرابي أن يُقام مؤتمرٌ على مثل هذه الفتوى لبحث الإشكال فيها، فهي فتوى متميزة وناضجة وتُعبر عن فقه وعلم وموضوعية شيخ الإسلام. والإشكالُ –إن كان هناك إشكالٌ- إنما هو في موقف الفقهاء الآخرين غيرِ ابن تيمية، ممن يرونَ ماردين تحولت إلى دار حربٍ خالصةٍ بغلبة الكفار عليها. وقد ضربتُ – في اللقاء نفسه- مثالاً، بفتيا لرئيس المؤتمر الشيخ عبدالله بن بيه، حيث له –وفقه الله للخير- فتوى في موقع الإسلام اليوم، برقم (46620) يوم الثلاثاء بتاريخ 4/5/2004م، جواباً عن سؤال حول تعريف دار الإسلام ودار الكفر ودار الحرب، فذكر تقسيم الدور المعروف بين الفقهاء، وعد البلاد التي لا تعلن حربها للمسلمين، لكنها ذات ميول عدوانيه تجاههم، بمنزلة دار الحرب. ونص عبارته –وفقه الله- بعدما ذكر التقسيم: "على أرض الواقع، هناك شيءٌ آخر: يعني طموحات أو ميولات عدوانية لدى بعض الدول، لكن مع هذه الميولات العدوانية، هي لا تعلن أنها تحارب الإسلام، ومع وجود الميولات العدوانية عند بعض الدول بالنسبة لبعض المسلمين أو بالنسبة لبعض البلاد الإسلامية تكون هذه الدولة ذات الميول العدوانية بالنسبة لها تعتبر دار حرب".

 

(7) إنَّ حكم شيخ الإسلام كان حكمًا جاء في ظروفٍ زمنية ومكانية مُعينة، وعلى قومٍ معينين، وهم التتار، حيث كان ابن تيمية يعتقد أنهم –زيادةً على هجومهم على المسلمين وقتلهم واغتصاب وسبي حريم المسلمين، ونهب أموالهم، واحتلال ديارهم، وتخريب ممتلكاتهم مما هو معلوم مشهور- كانوا يعتقدون بأمورٍ هي ناقضةٌ للإسلام مثل: تفضيلهم الأديان الوثنية وغيرها على الإسلام، أو جعلها سواء، وتفضيل الأحكام الجاهلية على الشريعة، وتعظيمهم للسحر والسحرة وعباد الأصنام، وأنَّ في رؤسائهم من يعتقد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان مؤمنًا راضيًا بغير الإسلام، وفيهم من يساوي بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبين جنكيزخان، ويعتقد أن الجميع على حق. قال ابن تيمية: "فمذهبهم ودين الإسلام لا يجتمعان". 

 

(8) بينتُ أن هذه الفتوى ليست موجهة للأفراد لتطبيق أحكامها، بل هي من قضايا الفقه السياسي وهي موجهة في الأصل إلى الأئمة والولاة والأمراء فتبرير مقاتلة الخارج عن شريعة الله في الدار التي تجاذبتها مظاهر الكفر والإسلام كما في فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية ليس لأفراد الناس بل هو لمن يملك الولاية.

 

(9) ذكرتُ أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية ليس بالمعصوم عندنا، ويُؤخذ من قوله ويُرد، فما وافق الصواب قبلناه وما خالفه رددناه، مع اعترافنا وتسليمنا بأنه علم من أعلام الإسلام، وأنه من عظماء الفقهاء والمجتهدين الجهابذة. لذا فإن الأمر لا يعدو عن حالتين اثنتين: إما أن يكون تصور شيخ الإسلام عن التتار صحيحًا فيكون حكمه صحيحًا، وإما أن يكون التصور والوصف غير صحيح، فيكون الحكم تابعًا لذلك، والحكم فرع عن التصور.

 

ولذا -لما سُئل ابن تيمية عن هؤلاء التتار وحكمهم، وعن الموقف منهم ومن أعمالهم الهمجية والقتالية التي تعرضوا بها على بلاد المسلمين وخصوصًا الشام- قال رحمه الله في جوابه الذي يُظهر منهجًا علميًا وأكاديميًا مُنقطع النظير: "هذا مبني على أصلين: أحدهما: المعرفة بحالهم. والثاني: معرفة حكم الله في مثلهم. فأما الأول: فكل من باشر القوم يعلم حالهم، ومن لم يـباشرهم يعلم ذلك بما بلغه من الأخبار المتواترة وأخبار الصادقين، ونحن نذكر جل أمورهم بعد أن نبين الأصل الآخر الذي يختص بمعرفته أهل العلم بالشريعة الإسلامية".

 

وأنقل لكم عينة من مشاهدات وكلام ابن تيمية عنهم. قال: "فقد علم أن هؤلاء القوم جازوا على الشام في المرة الأولى عام 699هـ، وأعطوا الناس الأمان، وقرؤوه على المنبر بدمشق، ومع هذا فقد سبوا من ذراري المسلمين ما يُقال إنه 100 ألف أو يزيد، وفعلوا ببيت المقدس، وبجبل الصالحية ونابلس وحمص وداريا، وغير ذلك من القتل والسبي ما لا يعلمه إلا الله، حتى قيل إنهم سبوا من المسلمين قريبًا من مائة ألف، وجعلوا يفجرون بخيار نساء المسلمين في المساجد وغيرها، كالمسجد الأقصى والأموي وغيره، وجعلوا الجامع الذي بالعقيبة دكًا.

 

وقد شاهدنا عسكر القوم، فرأينا جمهورهم لا يصلون، ولم نر في عسكرهم مؤذنًا ولا إمامًا، وقد أخذوا من أموال المسلمين وذراريهم، وخربوا من ديارهم ما لا يعلمه إلا الله. ولم يكن معهم في دولتهم إلا من كان من شر الخلق".

 

وقال يحكي مقالة زعيمهم: "قال: هذان آيتان عظيمتان جاءا من عند الله، محمد وجنكيزخان. فهذا غاية ما يتقرب به أكبر مقدميهم إلى المسلمين، أن يسوى بين رسول الله وأكرم الخلق عليه وسيد ولد آدم وخاتم المرسلين، وبين كافر مشرك من عظم المشركين كفرًا وفسادًا وعدوانًا من جنس بختنصر وأمثاله.. وهم مع هذا يجعلونه أعظم رسول عند الله في تعظيم ما سنه لهم وشرعه بظنه وهواه.. وهم يستحلون من عادى ما سنه لهم هذا الكافر الملعون، المعادي لله ولأنبيائه ورسوله وعباده المؤمنين. فهذا وأمثاله من مقدميهم كان غايته بعد الإسلام أن يجعل محمدًا بمنزلة هذا الملعون". 

 

(10) لا بد من النظر في كون الفتوى جاءت في زمن حرب بين دولة المماليك، التي يخضع لها ابن تيمية، وبين التتار، وقد تعرضت دمشق مراتٍ ومراتٍ لهجومهم وتدميرهم وقتلهم وسلبهم ونهبهم، وفتوى ابن تيمية بقتالهم لأنهم يقاتلون المسلمين ويستبيحون ديارهم، وكانوا يصدرون في ذلك من اعتقادهم أنهم دولة وقومية لها كيانها المضاد للمسلمين، وقد تعرض ابن تيمية نفسه لمحادثة مع أحدهم تظهر شعوراً استقلالياً انعزالياً عند التتاري عن المجتمع المسلم، واحتقاره لولي الأمر المسلم المملوكي. 

 

(11) الجماعات التكفيرية والإرهابية –التي ظُلم ابن تيمية بنسبتها له- تبحث عن مسوغاتٍ شرعية –من نصوص الكتاب والسنة- أو من أقول العلماء، لترسيخ ما ثبت عندها في الأصل، فليس الأمر استدلالاً نابعاً من خلو فكري مطلق، بل هو اعتضاد واستنجاد بما تقرر عندهم –لأسباب سياسية أو نفسية أو اجتماعية.

 

إنَّ استشهاد التكفيريون بشيخ الإسلام أو غيره من الأئمة الأعلام، ليس بالدليل الذي يرقى إلى التدليل على أن الرجل كان تكفيريًا أو شيخًا لهم، وذلك لأمور، منها:

 

أولاً: أن التكفيريين يستشهدون بالقرآن والسنة، فهل يقول عاقل أن القرآن والسنة منابع تطرف وتكفير؟ أو أن هذا يعني أنهم وجدوا فيهما ما يوافق أهواءهم، معاذ الله. ثم إن التكفيريين يستشهدون -أيضًا- بالإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي والإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل، والقرطبي وكثير من الأئمة غير هؤلاء، فهل الخطأ يكمن في هؤلاء الأئمة أم في قصور تصورات التكفيريين؟

 

وقد ضربتُ في لقاء ماردين مثالاً بنصٍ من (إنجيل الإرهاب) الذي أحضرته معي، وهو كتاب (الجهاد الفريضة الغائبة) لمحمد عبدالسلام فرج، تحدث فيه عن تقسيم الدور، واستشهد الرجل على مراده بكلام أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، ثم ربع بابن تيمية، وكان استناده لكلام الثلاثة أكثر من استناده لكلام ابن تيمية، الذي احتاج لتأويله وتوجيهه.

 

ثانيًا: أن المرجئة -أيضًا- يستشهدون ويحتجون بكلام ابن تيمية، وهؤلاء هم نقيض التكفيريين، فهل كان ابن تيمية من المرجئة؟

 

كلا، فلم يكن الرجل رحمه الله- لا من هؤلاء ولا من هؤلاء، بل كان منهجه وسطاً بين إفراط وتفريط، أي منهج أهل السنة والجماعة.

 

(12) كما أنه قد ثبت –بالدراسة والتمحيص- أن استدلالات تلك الجماعات بنصوص الكتاب والسنة لم تخل من تعسفٍ وتحريف وإعادة قراءة واستنطاق، كذلك فإن استدلالاتهم بكثير من كلام العلماء –ومنهم ابن تيمية- يأتي في هذا السياق، والواجب تمحيص تلك الاعتضادات والاستدلالات، قبل الحكم على المستَنبَط منه بأنه في حكم تلك الجماعات. فإن ذلك يُكسبهم دعمًا ومصداقية يطمعون بها، ويطمحون إليها، فإذا قرر البعض بغفلة أو سوء نية وطوية: "إن تلك الجماعات التكفير تستند شيخ الإسلام ابن تيمية و فكره وتراثه". فإني أقول: أليس هذا من  أعظم أساليب إسباغ الوجاهة الشرعية على تلك الجماعات؟ وإنما الواجب عزلهم وعزل مشروعيتهم عن هؤلاء الأئمة.

 

(13) أن هذه المسائل لا بد من معالجتها معالجة موضوعية، بالدليل والبرهان الشرعي، حتى تكون أدعى للحجة، ولتكونَ جديرةً بقطع الطريق على الجماعات المسلحة، وإلا فإن تعويم القضايا أو إنكارها، أو القول إن تقسيم الدور أو الولاء والبراء بدعة، هذا ليس معالجة حقيقية للمسألة، بقدر ما هو تنصل غير مقبول عن المسؤوليات الشرعية، إلا إذا كان الغرض مجرد إرضاء الغرب أو الضحك عليه، ثم تجاهل المشكلة والحل الحقيقيين.

 

كتبه: عايض بن سعد الدوسري

 

الأربعاء: 14/5/1431هـ - 28/4/2010م

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تتحمل شبكة نور الإسلام أي مسؤولية عنها ولا تتبناها بالضرورة.

«««« لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا »»»»

شروط نشر التعليق

- أن يكون حول الموضوع وليس خارجه.
- الالتزام بأدب الرد والنصح والبيان.
- اجتناب ألفاظ السوء.
- ونأسف على حذف كل تعليق لا يلتزم بالشروط أعلاه.

 

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

طباعة 3123  زائر ارسال