نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية         نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية         سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها         لا عدوى ولا صفر         أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !         20 خطوة عمليه لعلاج الغضب          أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة          أحب الأعمال إلى الله          باب التوبة مفتوح          كيف تقاوم شهوتك!         استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ         خدمة الواتس اب          صيحة نذير ..         ألا إن نصر الله قريب           من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان          حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان         رسالتي لعبدالعزيز الريس         الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان          تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن         البيان السديد في ابطال الإحتفال بالمولد النبوي                نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية           نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية           سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها           لا عدوى ولا صفر           أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !           20 خطوة عمليه لعلاج الغضب            أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة            أحب الأعمال إلى الله            باب التوبة مفتوح            كيف تقاوم شهوتك!           استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ           خدمة الواتس اب            صيحة نذير ..           ألا إن نصر الله قريب             من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان            حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان           رسالتي لعبدالعزيز الريس           الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان            تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن           البيان السديد في ابطال الإحتفال بالمولد النبوي   
جديد الموقع
التاريخ :29/5/1435 هـ آراء ومقالات العلامة / عبدالرحمن بن ناصر البراك
من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان

   الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن أشراط الساعة التي أخبر بها النبي e، وأخبر أنها تظهر قبل قيام الساعة؛ كل ما يظهر منها يكون علما من أعلام نبوته e، وقد وقع من ذلك في الماضي شيءٌ كثير، ولكن لا يَعرف ذلك إلا من عرف هذه الأخبار، وعرف ما يصدقها من الواقع مما حدث ويحدث، والأحاديث الواردة في هذا الشأن كثيرةٌ، وكثيرٌ منها في الصحيحين وغيرهما من المصنفات الحديثية، والمقصود من هذه الكتابة هو ذكرُ بعض ما يتعلق بما وقع في هذا العصر، ومن هذه الأحاديث:

1-  ما رواه البخاري عن أبو موسى tقال: قال النبي e: «إن بين يدي الساعة أيامًا، يرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكثر الهرج». والهرج القتل.

٢- وعن أنس tقال: سمعت رسول الله e يقول: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا، ويكثر شرب الخمر...» الحديث.

 ٣- وعن أبي هريرة tقال: قال رسول الله e: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مُـميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا». رواه مسلم.

٤- وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي e أنه قال: «بين يدي الساعة: يظهر الربا، والزنى، والخمر»

٥- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي e؛ قال: «والذي نفسي بيده؛ لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة، فيفترشها في الطريق، فيكون خيارهم يومئذ من يقول: لو واريتها وراء هذا الحائط».

٦- وعن ميمونة رضي الله عنها زوج النبي e؛ قالت: سمعت رسول الله e يقول: «لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنى، فإذا فشا فيهم ولد الزنى؛ فيوشك أن يعمهم الله عز وجل بعذاب».

٧- وعن عبد الرحمن بن غنم الأشعري رضي الله عنه؛ قال: حدثني أبو عامر (أو: أبو مالك) الأشعري t- والله ما كذبني -: سمع النبي e يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العَلَم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة».

٨- وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله e: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها».

٩- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله e؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان».

 ١٠- وعن أنس رضي الله عنه: أن النبي e قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد».

١١- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله e: «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، ويتقارب الزمان، وتكثر الزلازل، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج». قيل: الهرج ما هو يا رسول الله؟ قال: «القتل القتل».

   وقد تضمنت هذه الأحاديث جملة من الأمور التي أخبر  النبي e أنها تقع في أخر الزمان قبل قيام الساعة، وقد وقع كثيرٌ منها في الزمان الماضي وهي تتجدد وتتكرر، والذي نقصد التنبيه إليه ما وقع في هذا العصر وكثُر كثرة لم يسبق لها نظيرٌ في القرون الماضية، وذلك لكثرة أسبابها، لذلك نخص بالذكر والتنبيه خمسة أمور مما اشتملت عليه هذه الأحاديث وهي: (القتل، والزنا، وشرب الخمر، ورفع العلم، وكثرة الجهل):

أولا: فأما القتل فلا يخفى كثرة أسبابه التي أنتجتها حضارة هذا العصر: كالسيارات، والآليات، وأنواع أسلحة الحروب، وأسلحة الدمار الشامل، فمن يقتل بهذه الأسباب في كل يوم هو أضعاف أضعاف من كان يقتل بالأسباب العادية فيما مضى، ومن يقتل في الحروب في هذا العصر أضعاف أضعاف من كان يقتل في الحروب في الزمن الماضي، فالقتلى في هذا العصر يقدرون بعشرات الألوف، ومئات الألوف، بل بالملايين.  

ثانيا وثالثا: وأما الزنا والخمر فمن المعلوم ما بينهما من اقتران في الواقع عند أصحاب الشهوات وفعل الفواحش، ولا يخفى ما بين هاتين الفاحشتين من التناسب، فشرب الخمر من أعظم الدواعي إلى الزنا، ولذلك قرن بينهما النبي e في حديث: «ليكونن من أمتي أقوامًا يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف»، والحِر: الفرج؛ كُنّي به عن الزنا، وكذا في حديث: «ويكثر الزنا، ويكثر شرب الخمر»

   وكذلك نقول: كَثُر الزنا وظهر في هذا العصر، وكَثُر شرب الخمر؛ لكثرة أسبابهما، وتيسر الطرق إليهما، وللحضارة المعاصرة أعظم الأثرِ في فشو الزنا وشرب الخمر في غالب بلاد المسلمين، فقد أنتجت هذه الحضارة من وسائل الدعاية إلى الفجور وشرب الخمور، ما لا ينجو منه إلا من اعتصم بالله، ووقر خوف الله في قلبه، كما هو معلوم ومشاهد في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة في الإذاعات والقنوات والصحف والمجلات، فإن هذه الوسائل إنما تجتذب المشاهدين والمستمعين والقراء وتنال رضاهم، بما يعرض فيها من القصص الغرامية، والتمثيليات الخليعة، والصور الفاتنة، ودعاية إلى أوكار الفجور في البلاد السياحية والإباحية، ومنها بعض البلاد العربية.

   ومن أعظم أسباب فشو الزنا في المجتمعات الإسلامية الاختلاط بين الرجال والنساء في الأعمال والتعليم، ومن أسوأ ذلك ما يتم في برامج الإعلام، وأسوأ منه ما يعرض في دور السنيما من المشاهد الفاضحة، وما يكون فيها من الاختلاط وارتكاب الفواحش، وما نشأ هذا الفساد العريض، وشاع في بلاد المسلمين إلا حين احتل النصارى كثيرًا من البلاد الإسلامية، وأعانهم على ذلك المنافقون والجهلة والفسقة من المسلمين، وهم الذين خلفوهم بعد رحليهم باستقلال البلادِ عن سلطانهم العسكري المباشر، ثم قام خلفاؤهم -بل حلفاؤهم- بتنفيذ خططهم، وكما شاع في بلاد المسلمين المحتلة من قبل الدول النصرانية (كفرنسا، وبريطانيا) المسارح والمراقص التي يختلط فيها الرجال والنساء، وترتكب فيها الفواحش في لياليها، التي تسمى الليالي الحمراء، فلهذه الأسباب استبيح الزنا وشُرْبُ الخمر، وكثر ذلك وظهر، فكان مصداقا لقوله e: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِر والحرير والخمر والمعازف»، وقوله e: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها»، وقوله e: «لا تقوم الساعة حتى يكثر الزنا وشرب الخمر»، ولكثرة الزنا كثر اللقطاء، فلم يبق مما أخبر به النبي e إلا أن يفترش الرجل المرأة في الطريق، فلا ينكر عليه أحد، إلا من يقول: «لو واريتها وراء هذا الحائط». كما جاء في الحديث، وهذه أبشع صورة في الدلالة على كثرة الزنا واستحلاله.

   والأحاديث في هذا المعنى إخبار عمَّا يقع في هذه الأمة (أي: المسلمين) لا في الأمم الكافرة، فإنهم لم يزالوا كالبهائم يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، حتى بلغ الأمر بالأمم التي تسمى المتحضرة من الكفرة في هذا العصر أن شرعوا في قوانينهم الشذوذ الجنسي (اللواط)، فهل بعد هذا انحطاط! وما دخل على المسلمين ما دخل من الفواحش والمنكرات إلا بتسببهم وعلى أيديهم، كما تقدم.

   هذا؛ ويضاف إلى ما سبق من أسباب شيوع الزنا، ما جاء به الطب الحديث الذي هو فرعٌ من فروع الحضارة المعاصرة، حضارة الأمم الكافرة، فقد أفرز وسائل لمقاومة موانع الزنا في المجتمعات المحافظة، التي أهمها خوف المرأة من الحمل، أو زوال البكارة، فجاء الطب بأنواع من موانع الحمل: كالحبوب، واللولب، واللاصق، وغيرها، ومن موانع الحمل ما يسمى بالواقي في جانب الرجل، وقد روَّجها المفسدون وغيرهم من الأطباء والتجار، كما جاء الطب بعملية الرَّتْق لمقاومة المانع الثاني من موانع الزنا، وكل هذا إمعانٌ في الفجور وإشاعة الفاحشة وتهوينِ أمر الزنا، فلم يبق إلا وازعُ الإيمان بالله والخوف من عذابه، وهو يزول عن صاحبه بفعل هذه الفواحش، ولا يعود إليه إلا بالتوبة، كما قال e: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن».

   وبعد؛ فإن من البلاء العظيم في هذا العصر أن تتيسر طرق الوصول إلى ما حرم الله من الشهوات؛ من شرب الخمر، وفعل الفواحش ودواعيها؛ من النظر والسماع والمحادثات, وطرق ذلك القنوات الفضائية وهواتف الجوال وشبكة النت، فكلها تمكن من المشاهد المحرمة، وما يتبع ذلك من مسموعات وتواصل بين المتَّبعين للشهوات، فيتمنون الوصول إلى مايهوون، ثم يصدِّق ذلك أو يكذبه السفر من بلاد العافية والمحافظة إلى بلاد الإباحية القريبة والبعيدة، وقد تيسرت أسباب السفر وخفَّت كُلَفُه، وانتشرت مكاتب شركات السفر والسياحة، ونشرت الدعاية لذلك وهيئت الفنادق والحدائق لسياح من ذوي القلوب المريضة بالشهوات، مع توفير ما يطلبونه من ذلك، فعظمت بذلك المحنة، واشتد البلاء، وكل ذلك جار بقدر الله، ولحكمته البالغة في ابتلاء العباد، ليميز الله الخبيث من الطيب، وليعلم الله من يخافه بالغيب، فيكُف عن الحرام مع قدرته عليه، خوفًا من الله الذي يراه، لا تخفى عليه خافية، وقد نبه سبحانه إلى هذه الحكمة بتيسيره ما حرمه من الصيد على المـُحْرِم، فقال تعالى: (ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ)   [المائدة]، ويحسن في هذا المقام ذكر أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال e: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها، فقال: إني أخاف الله»، فراقب ربك أيها المسلم، وجاهد نفسك، واذكر قوله تعالى: ( ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ)   [الحج]

رابعا وخامسا: وأما رفع العِلم وثبوت الجهل فهما ظاهران في هذا العصر، والمراد بالعلم: العلم الموروث عن النبي e، وهو ما دل عليه القرآن، ودلت عليه السنة، من الاعتقادات والشرائع المحكمات، فهو العلم الشرعي علم الكتاب والسنة، والجهل هو الجهل بهما، وهذا العلم نورٌ وحياة لمن أخذ منه بنصيب، وهو الهدى لمن أراد السير على الطريق، قال الله تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ )   [الشورى:52]، فسَمّى القرآنَ (روحًا) لتوقف الحياة عليه، وسماه نورًا لتوقف الهداية عليه، وقال تعالى: (ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ)   [التوبة:33]، فالهدى: هو العلم النافع، ودين الحق: هو العمل الصالح، وأعظم الناس أخذًا وحظًا من ذلك العلم هم الصحابة -رضوان الله عليهم- والتابعون لهم بإحسان، ولم يزل هذا العلم الذي جاء به الرسول e موضع اهتمام المسلمين، يتنافسون فيه، فعنه يبحثون، وفيه يتذاكرون، وإليه يوجهون أولادهم، والعالم عند المسلمين هو من تمكن فيه، وكان له منه حظ وافر، فأيُ آيةٍ وأيُ حديث ورد في فضل العلم والعلماء فالمراد به ما ورّثه النبي e، كما في الحديث: «والعلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر».

   فيجب أن يعلم المسلم أن أهم العلوم وأنفعها في كل زمان ومكان في الدنيا والآخرة، العلوم الشرعية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله e، ولا سيما في هذا العصر الذي طغى فيه ما يسمى بعلم المادة (أي العلوم الدنيوية) التي غلبت على الناس، وسيطرت على أفكارهم واهتماماتهم، فأكثر المسلمين اليوم غلب عليهم الاهتمام بالعلوم المادية الدنيوية، والزهد في العلوم الشرعية، مع أن الواجب على المسلم إذا وجد من نفسه محبةً للعلوم الشرعية، ورغبة فيها وفي تحصيلها من مصادرها، وتهيأ له التلقي من أحد من أهل العلم العاملين الناصحين فعليه أن يبادر لتحصيلها، ويحمد الله على هذه النعمة؛ لأنَّ محبة العلم الصحيح، علم الكتاب والسنة، والعلوم المستمدة منهما هي خير للعبد في العاجل والآجل، قال e: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين»، وبهذه العلوم صلاح الدنيا والآخرة، ولهذا كان اهتمام السلف بهذه العلوم؛ واقرأ - إن شئت- تاريخ المسلمين لتعرف مَن العلماء في عرف المسلمين في الصدر الأول والقرون الأولى إذا ذكر العلماء؟ إنهم العلماء بكتاب الله وسنة رسوله e، والعلماء بالعلوم المستمدة من هذين الأصلين. والعلوم الشرعية أنواع:

النوع الأول: علوم شرعية أساسية: وهي التي جاء بها الوحي، ومدار هذا النوع على ثلاثة أصول:

١- العلم بأسماء الله وصفاته، وهو العلم بالله.

٢- العلم بشرعه، وهو الأوامر والنواهي.

٣- العلم بالجزاء في الآخرة، وهو يتضمن الإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه كل ما يكون بعد الموت؛ من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، والبعث والحساب، والثواب والعقاب، والجنة والنار، قال ابن القيم في الشافية الكافية (النونية):

والعلم أقــــــــسام ثلاث ما لها  :  من رابع والحق ذو تبيان

                  علم بأوصـــــــــــــــاف الله وفعله  :  وكذلك الأسماء للرحمــــن

                  والأمر والنهي الذي هو دينه  :  وجزاؤه يوم المعاد الثاني

فبالأول: معرفة الله، وبالثاني: معرفة الطريق الموصل إليه، وبالثالث: معرفة ما أعد الله للعاملين في يوم المعاد.

النوع الثاني: ما يسمى بعلوم الآلة، أي العلوم المعينة: كعلوم اللغة، وعلوم الحديث، وأصول الفقه. وهي وسيلة لتحصيل تلك العلوم الأساسية، ففهم القرآن وفهم السنة يحتاج إلى وسائل وعلوم معينة على فهم كتاب الله وسنة رسوله e.

   فالعلماء بهذه العلوم هم العلماء في مفهوم المسلمين الأوائل، وإلى عصور متأخرة، فالمحدِّثون والفقهاء واللغويون معدودون أيضًا في العلماء؛ لأنَّ اللغة العربية هي لغة الكتاب والسنة، وهي وسيلة معينة لفهم الكتاب والسنة. أما الآن فخرج اسم العلماء عن هذا الاختصاص وابتذل، وصار ينصرف في عرف كثير من المسلمين إلى علماء العلوم المتنوعة المختلفة المادية؛ ولهذا صار يقال الآن: علماء الغرب، وعلماء كذا، وعلماء كذا، فإذا جاء علماء بالإضافة تبينت المسألة: علماء الطب، علماء الكيمياء، إلخ، فالإضافة تعين المقصود، لكن إطلاق العلم وإطلاق اسم العلماء، هذا هو الذي فيه الخطأ، والأصل أنَّه اسمٌ لعلماء الشريعة، فمفهوم العالِم والعلماء والعلم، والترغيب في العلم، والحث على العلم، كله راجعٌ إلى العلم الشرعي. فالشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لما قال في مطلع الأصول الثلاثة في المسائل الأربع: الأولى: العلم، فسر هذا العلم: بأنَّه معرفة الله، ومعرفة نبيه e، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، فحاجة الإنسان إلى هذا العلم فوق كل حاجة، وضرورته إليه فوق كل ضرورة، والعلم الشرعي (علم الكتاب والسنة) هو الذي تزكو به النفوس، وتستنير به البصائر، سماه الله نورًا، قال تعالى: (ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ)   [التغابن]، وقال سبحانه: ( ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ)   [النساء]، الكتاب: القرآن، والحكمة: السنة، فالقرآن والسنة هما النور، أما ما عداهما من العلوم فلا يسمى نورًا؛ لأنَّها لا يحصل بها الاستبصار والفرقان بين الحق والباطل، والعلم المنزل هو الذي يحصل به الفرقان بين الحق والباطل، ويحصل به التبصير حتى يبصر الإنسان طريقه في الحياة، قال تعالى:  (ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ)   [الحديد]. وهذا النور هو الذي يحصل باتباعه الفلاح، قال تعالى: (  ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ)   [الأعراف].

   فالمقصود أنَّ العلم الشرعي ضروري للإنسان، وهو نوعان: الأول: ما هو فرض على الأعيان؛ وهو ما لا يقوم دين العبد إلا به. والثاني: فرض كفاية يجب على الأمَّة الإسلامية أن يكون فيها من يَعلمه؛ ليبقى هذا الدين والعلم الموروث عن الرسول e محفوظًا، وهذا محقق لا بد أن يكون فيها - ولله الحمد - للضمان الذي ذكره الله في قوله تعالى: (ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ)   [الحِجر]؛ وللخبر الصادق عنه e في قوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق»، لا بد أن تكون قائمةً بالحق علمًا وعملًا؛لأنَّ القيام بالدين لا يتحقق إلا بالعلم والعمل جميعًا، ولابد من تعليم الناس هذه العلوم الشرعية؛ لاسيما مع تقصير كثير من الناس في العناية بالعلوم الشرعية، بل أعرض أكثر المسلمين عن العناية بالعلوم الشرعية تعلمًا أو تعليمًا، وأقبلوا على العلوم الدنيوية، إيثارًا للدنيا على الآخرة، ومن آثار هذا الإعراض عن علوم الشريعة والإقبال على العلوم المادية ابتعاث مئات الألوف من شباب المسلمين رجالًا ونساءً إلى بلاد الكفار لأخذ علومهم المادية، مع أنهم - في حقيقة الأمر- لا يُمكّنون من العلوم المهمة.

   فلذلك غلب على الناس الجهل بما بعث الله به رسوله e من الهدى ودين الحق، وهذا نوعٌ من رفع العلم، لكن بتسبب من الناس، ونوع أخر وهو ما يكون بسبب موت العلماء، كما في الحديث الصحيح: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسا جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا».

   وبكل حال فما رفع في هذا العصر في أكثر البلاد الإسلامية من عِلم النبوة المستمد من الكتاب والحكمة أعظم مما رفع قبل ذلك، وذلك لسبيبن: أولهما: الإعراض، وثانيهما: قبض العلماء، فأما الإعراض فظاهر كل الظهور لمن تدبر الواقع، فالجامعات والمدارس الرسمية الحكومية تخضع لمنظومة اليونسكو الأممية التي لا تعترف بالعلوم الشرعية، بل أكثر الجامعات والمدارس الأهلية لا تُعنى إلا بالعلوم المادية، اتباعًا لمناهج الدول الغربية، وأما قبض العلماء فمع قلتهم يكون موت واحد أعظم نقصًا من موت عدد يوم كان العلماء كثيرين، فلذلك تعظم مصبية المسلمين بموت واحد من العلماء فكيف إذا تتابعوا!! وكل هذا مصداق لما أخبر به النبي e من رفع العلم وقبض العلم وثبوت الجهل، فكان ذلك عَلمًا من أعلام نبوته e.

   يضاف إلى ما تقدم من أشراط الساعة أمر سادس، وهو فشو الربا، وقد أخبر به النبي e، كما في حديث ابن مسعود t أن رسول الله e قال: «بين يدي الساعة يظهر الربا، والزنى، والخمر». وقد ظهر الربا في هذا العصر أعظم ظهور، فقد انتشرت في العالم الإسلامي بنوك الربا المؤسسة على نظام البنوك في الدول الغربية الكافرة، تلك الأنظمة التي وضعتها عقول يهودية قد أشربت حب الربا، فصار أهم موارد تلك البنوك القرض بفائدة، فآل الأمر إلى أن أكثر الناس لا يمكنهم الاقتراض إلا بفائدة، أي: بربا، فبهذا ظهر الربا، وهذا مصداق ما أخبر به النبي e.

   وهذه المنكرات الثلاثة: (الربا، والزنا، وشرب الخمر) من كبائر الذنوب، وقد جاء الزنا مقرونًا بالشرك وقتل النفس في كتاب الله، وجاء الربا مقرونًا بالشرك وقتل النفس في حديث السبع الموبقات، قال e: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: يا رسول الله وماهن؟، قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا،..» الحديث [متفق عليه]. وجاء أكل الربا مقرونًا بالزنا وشرب الخمر في حديث ابن مسعود المتقدم.

   ثم اعلموا أن هذه الأخبار سيقت مساق الذم لهذه الأمور والتنفير عنها؛ فإنها محرمات دل على تحريمها الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فظهورها وكثرتها يدل على ضعف العلم والإيمان، ولذا قرنت برفع العلم وثبوت الجهل، فهي كقوله e: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، فإن المراد منه تحذير الأمة من اتباع سنن اليهود والنصارى، وذلك بالتشبه بهم في المنسوخ والمبدَّل من دينهم، أو في عوائدهم الخاصة، فكل هذا منهيٌ عنه في شريعة الإسلام.

   وهنا أربعة أمور أخبر النبي e بوقوعها قبل قيام الساعة، ورد ذكرها في الأحاديث المتقدمة، وقد وقعت كما أخبر النبي e في قرون مضت، وهي في هذا العصر أكثر ظهُورًا، وهي: التطاول في البنيان، والتباهي في المساجد (أي التفاخر بتشييدها وزخرفتها)، والنساء الكاسيات العاريات، والرجال الذين في أيديهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها الناس، فأما التطاول في البنيان فشاهده من الواقع التنافس في بناء الأبراج العالية، التي تُكون من عشرات الطوابق، بل قد تزيد على المئة مضاهاة للكفار فيما يفعلونه من ذلك، ويسمونها ناطحات السحاب.

   وأما المباهاة في المساجد؛ فمن المشاهد إفراط الناس في بناء المساجد في رفعها وسعة مساحتها وزخرفتها وإضاءتها، ومكبرات الصوت، وتعدد المآذن وارتفاعها، كل ذلك فوق الحاجة، يفعلونه فخرًا ومباهاة، وفي ذلك -مع فساد القصد- تبذير الأموال، والتشبه بالنصارى في كنائسهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى» أي معابدهم.

   وأما النساء الكاسيات العاريات فينطبق على النساء المفتونات بتقليد نساء الغرب الكافرات في العري والتهتك، فأحب الثياب إليهن القصير والشفاف والضيق الرقيق، فالمستور من أبدانهن أشد فتنة بهذه الملابس من المكشوف، فهذا المظهر عندهن هو الذوق والتحضر والتحرر والجمال، فأصبحن بذلك فاتنات مفتونات، خلعن جلباب الحياء، فأشبهن العاهرات أو هن عاهرات.

   وأما الرجال الذين في أيديهم مثل أذناب البقر يضربون بها الناس، فينطبق على الشُرط أعوان الظلمة الذين في أيديهم الهراوت والعصي الكهربائية يضربون بها الناس بغير حق.

   فهذه الأمور العشرة كل واحد منها عَلمٌ من أعلام نبوته e، وقد وقعت كلها في هذا العصر، وبأسوأ حالاتها، فلذلك كان هذا العصر عصر الجهل والفتن، فتن الحروب وفتن الشهوات والشبهات، وكلها من ورائها الكفرة من اليهود والنصارى والملحدين والمنافقين، ومصداق ذلك في قوله تعالى في المنافقين: (ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ )   [النساء:89]، وقال تعالى في اليهود: (ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ )   [البقرة:109]، وقال في المشركين: ( ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ )   [البقرة:217]، وقال في الفسقة والكفرة: ( ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ)   [النساء].

   ومن الأمور الواقعة التي أخبر بها النبي e، وأخبر عن استحلال بعض الأمة لها: المعازف، وهي الغناء وآلات الغناء، وقد جاء مقرونًا بالزنا وشرب الخمر في حديث أبي مالك الأشجعي رضي الله عنه: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف»، ولا يخفى ما بين هذه الأمور الأربعة من التناسب، وكلها ترجع لاتباع الشهوات، وما مرَّ زمان بالأمة فشت فيه المعازف ودخلت كل بيت إلا من رحم الله، مثلُ هذا الزمان، بسبب ما أنتجته الحضارة من آلات اللهو ووسائل البث من إذاعات وقنوات، فلا إله إلا الله الذي إليه المرجع والمئاب، وجامع الأولين والآخرين ليوم الحساب: ( ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ)   [النحل].

   نسأله تعالى أن يعصمنا من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يثبتنا على الإسلام حتى نلقاه به، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.

 

أملاه

عبد الرحمن بن ناصر البراك

عضو هيئة التدريس (سابقا) بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

30 جمادى الأولى 1435ه

 

طباعة 52036  زائر ارسال