محاولة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الانتحار
الرد
على الشبهة:
الحق الذي يجب أن يقال.. أن هذه الرواية التي استندتم إليها ـ
يا خصوم الإسلام ـ ليست صحيحة رغم ورودها في صحيح البخاري ـ رضي الله عنه ـ ؛ لأنه
أوردها لا على أنها واقعة صحيحة، ولكن أوردها تحت عنوان " البلاغات " يعنى أنه
بلغه هذا الخبر مجرد بلاغ ، ومعروف أن البلاغات في مصطلح علماء الحديث: إنما هي
مجرد أخبار وليست أحاديث صحيحة السند أو المتن (1).
وقد علق الإمام ابن حجر
العسقلاني في فتح الباري (2) بقوله:
"
إن القائل بلغنا كذا هو الزهري ، وعنه حكى
البخاري هذا البلاغ، وليس هذا البلاغ موصولاً برسول الله صلى الله عليه وسلم،
وقال الكرماني: وهذا هو الظاهر
".
هذا هو الصواب، وحاش أن يقدم رسول الله ـ وهو
إمام المؤمنين ـ على الانتحار، أو حتى على مجرد التفكير فيه.
وعلى كلٍ فإن
محمداً صلى الله عليه وسلم كان بشراً من البشر ولم يكن ملكاً ولا مدعيًا
للألوهية.
والجانب البشرى فيه يعتبر ميزة كان صلى الله عليه وسلم يعتني بها،
وقد قال القرآن الكريم في ذلك:
(( قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً))
(الإسراء:93 ) .
ومن
ثم فإذا أصابه بعض الحزن أو الإحساس بمشاعر ما نسميه - في علوم عصرنا - بالإحباط أو
الضيق فهذا أمر عادي لا غبار عليه؛ لأنه من أعراض بشريته صلى الله عليه
وسلم.
وحين فترة (تأخر) الوحي بعد أن تعلق به الرسول صلى الله عليه وسلم كان يذهب
إلى المكان الذي كان ينزل عليه الوحي فيه يستشرف لقاء جبريل ، فهو محبّ للمكان الذي
جمع بينه وبين حبيبه بشيء من بعض السكن والطمأنينة، فماذا في ذلك أيها الظالمون
دائماً لمحمد صلى الله عليه وسلم في كل ما يأتي وما يدع ؟ وإذا كان أعداء محمد صلى
الله عليه وسلم يستندون إلى الآية الكريمة:
(( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا
الْحَدِيثِ أَسَفاً))
(الكهف:6).
فالآية لا تشير أبداً إلى معنى الانتحار،
ولكنها تعبير أدبي عن حزن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بسبب صدود قومه عن
الإسلام، وإعراضهم عن الإيمان بالقرآن العظيم؛ فتصور كيف كان اهتمام الرسول الكريم
صلى
الله عليه وسلم بدعوة الناس إلى الله، وحرصه الشديد على إخراج الكافرين من الظلمات
إلى النور.
وهذا خاطر طبيعي للنبي الإنسان البشر الذي يعلن القرآن على لسانه صلى
الله عليه وسلم اعترافه واعتزازه بأنه بشر في قوله - رداً على ما طلبه منه بعض
المشركين-:
(( وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً
أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ
خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً
أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن
زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ
عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً
رَّسُولاً))
(الإسراء:93،90).
فكان رده:
((سُبْحَانَ رَبِّي))
متعجباً مما طلبوه
ومؤكداً أنه بشرٌ لا يملك تنفيذ مطلبهم:
((هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً))
(الإسراء:93).
أما
قولهم على محمد صلى الله عليه وسلم أنه ليست له معجزة فهو قول يعبر عن الجهل والحمق
جميعاً.
حيث ثبت في صحيح الأخبار معجزات حسية تمثل معجزة الرسول صلى الله عليه
وسلم، كما جاءت الرسل بالمعجزات من عند ربها ؛ منها نبع الماء من بين أصابعه،
ومنها سماع حنين الجذع أمام الناس يوم الجمعة، ومنها تكثير الطعام حتى يكفى الجم
الغفير، وله معجزة دائمة هي معجزة الرسالة وهي القرآن الكريم الذي وعد الله بحفظه
فَحُفِظَ، ووعد ببيانه؛ لذا يظهر بيانه في كل جيل بما يكتشفه الإنسان ويعرفه.
(1)انظر صحيح البخاري ج9 ص 38، طبعة التعاون.
(2) فتح الباري ج12 ص 376.