شبهات وردود متنوعة حول الرسول الكريم
الرد على شبهة مباشرة رسول الله لزوجته وهى حائض:
ذكر المعترضون ما ورد في الصحيحين من حديث ميمونة بنت الحارث الهلالية (رضي الله عنها) قالت: كان النبي إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهى حائض، ولهما عن عائشة نحوه، وظنوا بجهلهم أن ذلك يتعارض مع قوله تعالى: (( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)) (البقرة 22)
وسبب ذلك أنهم أناس لا يفقهون، فالمباشرة المنهي عنها في الآية الكريمة هي المباشرة في الفرج، أما ما دون ذلك فهو حلال بالإجماع، وقد روى الإمام أحمد وأبو داوود والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن سعد الأنصاري أنه سأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: ما يحل لي من امرأتي وهى حائض؟ فقال- صلى الله عليه وسلم-: (( ما فوق الإزار)).
وروى ابن جرير أن مسروقاً ركب إلى عائشة ( رضي الله عنها) فقال: السلام على النبي
وعلى أهله, فقالت عائشة: مرحباً مرحباً فأذنوا له فدخل فقال: إني أريد أن أسألك عن
شيء وأنا أستحي فقالت : إنما أنا أمك وأنت ابني فقال: ما للرجل من امرأته وهى حائض؟
فقالت له: (( كل شيء إلا الجماع)) وفي رواية
((ما فوق الإزار))
و قد رأينا في حديث ميمونة أن نبي الله- صلى الله عليه وسلم-: كان إذا ما أراد أن
يباشر امرأة من نسائه أمرها" فاتزرت " فأين التعارض المزعوم إذاً يا ملبسي الحق
بالباطل.
ولعل ما دفعهم إلى الاعتراض هو وضع المرأة الحائض في الكتاب اللا مقدس: (( وَإِذَا
حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فَسَبْعَةَ أَيَّامٍ تَكُونُ فِي طَمْثِهَا، وَكُلُّ مَنْ
يَلْمِسُهَا يَكُونُ نَجِساً إِلَى الْمَسَاءِ، كُلُّ مَا تَنَامُ عَلَيْهِ فِي
أَثْنَاءِ حَيْضِهَا أَوْ تَجْلِسُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِساً، وَكُلُّ مَنْ
يَلْمِسُ فِرَاشَهَا يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ وَيَكُونُ نَجِساً
إِلَى الْمَسَاءِ، وَكُلُّ مَنْ مَسَّ مَتَاعاً تَجْلِسُ عَلَيْهِ، يَغْسِلُ
ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِساً إِلَى الْمَسَاءِ، وَكُلُّ
مَنْ يَلَمِسُ شَيْئاً كَانَ مَوْجُوداً عَلَى الْفِرَاشِ أَوْ عَلَى الْمَتَاعِ
الَّذِي تَجْلِسُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِساً إِلَى الْمَسَاءِ. وَإِنْ عَاشَرَهَا
رَجُلٌ وَأَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ طَمْثِهَا، يَكُونُ نَجِساً سَبْعَةَ أَيَّامٍ.
وَكُلُّ فِرَاشٍ يَنَامُ عَلَيْهِ يُصْبِحُ نَجِساً))(لاوين-15-19)
فهذا هو كتابهم الذي يجعلها في حيضها كالكم المهمل الذي لا يقترب منه أحد وكأنها (
جربة )، وقد ورد عن أنس أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم لم يؤكلوها ولم
يجامعوها في البيوت، فسأل الصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: في ذلك فأنزل
الله تعالى: ((البقرة:22)) فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: ((
اصنعوا كل شيء إلا النكاح)) .
فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه.
ومن المعروف في قواعد علم مقارنة الأديان عدم مؤاخذة دين وفقاً لشرية دين أخر، فما
بالك والإسلام أعدل وأسمى وقد أنصفت شريعته المرأة في هذا المقام وغيره !!.
الرد على شبهة قراءة النبي- صلى الله عليه وسلم-:
للقرآن في حجر عائشة و هي حائض
روى البخاري عن عائشة قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: يأمرني فأغسل
رأسه وأنا حائض، وكان يتكئ في حجري وأنا حائض
يقرأ القرآن .
وهذا أيضاً لا شبهة فيه، وما دفعهم إلى الاعتراض على ذلك الحديث إلا نفس السبب الذي
دفعهم للاعتراض على الحديث السابق وهو تصورهم المتطرف لوضع المرأة الحائض، وجعلها
كالقاذورات التي تنجس كل ما تمسه، وهذا ليس من شريعة الإسلام الوسطية العادلة،
فالمرأة إن كانت لا يمكنها الصلاة أو الصيام وهي حائض إلا أنها لا تنجس زوجها إذا
ما مسته، ولا ينظر إليها في حيضها بهذا الازدراء حتى أن المرأة الحائض عندهم مذنبة
!!
((28وَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ سَيْلِهَا تَحْسِبُ لِنَفْسِهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ
تَطْهُرُ. 29وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ تَأْخُذُ لِنَفْسِهَا يَمَامَتَيْنِ أَوْ
فَرْخَيْ حَمَامٍ وَتَأْتِي بِهِمَا إِلَى الْكَاهِنِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ
الاجْتِمَاعِ.30فَيَعْمَلُ الْكَاهِنُ الْوَاحِدَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ وَالْآخَرَ
مُحْرَقَةً وَيُكَفِّرُ عَنْهَا الْكَاهِنُ أَمَامَ الرَّبِّ مِنْ سَيْلِ
نَجَاسَتِهَا)) (لاويين 28:15-30).
فأين ذلك من شريعة الإسلام الطاهرة التي تحترم المرأة، لذا يستدل العلماء من حديث
أم المؤمنين عائشة بجواز ملامسة الحائض، وأن ذاتها وثيابها على الطهارة ما لم يلحق
شيئا منها نجاسة، وفيه جواز القراءة بقرب محل النجاسة.
قاله النووي: وفيه جواز استناد المريض في صلاته إلى الحائض إذا كانت أثوابها طاهرة.
قاله القرطبي: بل ويمكن للمرأة نفسها أن تتعبد بقراءة القرآن دون النطق به، ويمكنها تقليب صفحاته باستعمال سواك أو بارتداء قفاز أو ما شابه ذلك، بل وعند ابن حزم يمكنها الجهر بقراءة القرآن وهي حائض دون مس المصحف الشريف.
الرد على شبهة معاتبة أم المؤمنين حفصة لرسول الله - صلى
الله عليه وسلم-:
جاء في تفسير قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ
لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ
وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ
إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ
عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ
مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ))
(التحريم:3،1 ).
عدة روايات انتقى الخبثاء بعضها ونفخوا فيها ليغيروا معانيها، ويحمّلوها أكثر مما تحتمل بكثير، ومفاد هذه الروايات أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أصاب ماريا أم ابنه إبراهيم في البيت المخصص لحفصة، فقالت: أي رسول الله في بيتي وفي يومي؟
فقال- صلى الله عليه وسلم-: (( ألا ترضين أن أحرمها علي فلا أقربها؟ فقالت: أي رسول الله كيف يحرُم عليك الحلال ؟ فحلف بالله ألا يصيبها وقال لا تذكري ذلك لأحد)).
ووردت عدة روايات لهذا الحديث كثير منها ضعيف، ومنها روايات تفيد بأن ذلك كان يوم عائشة، والصحيح أن ذلك كان يوم حفصة كما دلت الكثير من النصوص والله أعلم.
وقد أمسك السفهاء بهذه الرواية وأخذوا يخوضون في عرض رسول الله - صلى الله عليه
وسلم- حقداً عليه، بل وبثوا سمومهم وسفالاتهم وقالوا أن أم المؤمنين حفصة قد وجدت
رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: في وضع (الخيانة الزوجية)!! وأنه صلى الله عليه
وآله وسلم طلب منها ألا تفضحه إلى غير ذلك من ترهات عقولهم السفيهة، وقلوبهم
المريضة، بل ووصل الحقد إلى درجة تحريف الكلم عن مواضعه، والتطاول على الله تعالى.
ونقول لهؤلاء الجهلة أين هذه الخيانة الزوجية؟ وهل معاشرة رسول الله - صلى الله
عليه وسلم- لسريته وأم ولده تعتبر عندكم خيانة زوجية والعياذ بالله ؟
بالطبع لا فهي من نسائه اللاتي أحل الله له، وهذا أمر معروف ولا حرج فيه، وأما معاتبة أم المؤمنين حفصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم-فلم تكن بسبب الخيانة كما يزعمون وإنما بسبب غيرتها عندما خلا رسول الله بأم إبراهيم في البيت المخصص لها، وكانت في ذلك اليوم عند والدها عمر بن الخطاب( رضي الله عنه)، فالمسألة كلها تتعلق بترك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- للقسمة في ذلك اليوم، وكما هو واضح فهذا لم يكن عن عمد ولم يقصد به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إيذاء حفصة التي كانت شديدة الغيرة عليه عليه السلام، بدليل أنه طيب خاطرها وحرّم ماريا على نفسه إرضاءً لها.
وقد طلب منها - صلى الله عليه وسلم- عدم إخبار أحد لأمر من اثنين:
(1) إما لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لم
يشأ أن تعلم عائشة فتحزن لذلك، وقد كانت أقرب زوجاته إلى قلبه-صلوات الله و سلامه
عليه- ذلك على الأخذ بالروايات التي أشارت إلى أن ذلك كان يومها، وهذا لا حرج
فيه فهذه حياته الخاصة عليه السلام، وهؤلاء هن زوجاته أمهات المؤمنين
(2) الأمر الثاني: وهو الأرجح، ودلت عليه كثير من الروايات أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- طلب من حفص عدم إخبار أحد "بكونه سيُحرم ماريا على نفسه (( لأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كره ذلك وإنما فعله إرضاءً لها ولم يشأ أن يسُن ذلك لأمته فيحرم الناس على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم فأنزل الله (التحريم)) .
ومن الروايات التي تؤكد ذلك المعنى ما رَوَى الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ:
(( قُلْت لِعُمَرَ بْن الْخَطَّاب مَنْ الْمَرْأَتَانِ
؟ قَالَ عَائِشَة وَحَفْصَة وَكَانَ بَدْء الْحَدِيث فِي شَأْن أُمّ إِبْرَاهِيم
مَارِيَة أَصَابَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْت حَفْصَة
فِي نَوْبَتهَا فَوَجَدَتْ حَفْصَة فَقَالَتْ يَا نَبِيّ اللَّه لَقَدْ جِئْت
إِلَيَّ شَيْئًا مَا جِئْت إِلَى أَحَد مِنْ أَزْوَاجك فِي يَوْمِي وَعَلَى
فِرَاشِي قَالَ " أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أُحَرِّمَهَا فَلَا أَقْرَبَهَا " قَالَتْ
بَلَى فَحَرَّمَهَا وَقَالَ لَهَا " لَا تَذْكُرِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ " فَذَكَرَتْهُ
لِعَائِشَةَ فَأَظْهَرَهُ اللَّه عَلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (( يَا
أَيّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّم مَا أَحَلَّ اللَّه لَك تَبْتَغِي مَرْضَات
أَزْوَاجك )) الْآيَات .
كما وردت روايات أخرى عن أسباب نزول هذه الآية الكريمة منها ما رواه البخاري عن عائشة قالت: (( كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَب عَسَلًا عِنْد زَيْنَب بِنْت جَحْش وَيَمْكُث عِنْدهَا فَتَوَاطَأْت أَنَا وَحَفْصَة عَلَى أَيَّتِنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ: أَكَلْت مَغَافِير إِنِّي أَجِد مِنْك رِيح مَغَافِير . قَالَ" لَا وَلَكِنِّي كُنْت أَشْرَب عَسَلًا عِنْد زَيْنَب بِنْت جَحْش فَلَنْ أَعُود لَهُ وَقَدْ حَلَفْت لا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا )).
فهل طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في هذه الرواية من حفصة عدم إخبار أحد
خشية الفضيحة أيضاًً يا عبّاد الصليب؟ !!
ولو كانت المسألة بهذه الصورة الشوهاء التي رسمتموها فهل كانت تُذكر في قرآن يُتلى
على المؤمن والكافر إلى يوم القيامة، ويتدارسه المؤمنون في كل وقت وحين؟ كما قال
أبى عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعبد الله بن مسعود
وعثمان بن عفان وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا عن النبي- صلى الله عليه وسلم- عشر
آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قال: فتعلمنا القرآن
والعلم والعمل جميعاً ), ونحن لم نسمع مثل هذه التعليقات السخيفة من عبدة الصليب في
عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- وصحابته، لا من يهودي ولا منافق ولا حتى صليبي،
وبدأت سخافاتهم تظهر في العصور اللاحقة شأن 99% من شبهاتهم المريضة.
أما عن ترك القسمة في ذلك اليوم فهو حالة استثنائية عارضة كما أوضحنا أنفاً، وما لا
يعرفه هؤلاء الجهال أن القسمة لم تكن (فريضة شرعية) في حق رسول الله- صلى الله عليه
وسلم- حيث أن القسمة الشرعية وُضعت عنه في قوله تعالى:
(( تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ
مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ
وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً)) (الأحزاب:51)
لأن عالم الغيب سبحانه قد علم أن نبيه الكريم سيبقى على القسمة حتى لو لم تكن واجبة
عليه، فرفع عنه ذلك التكليف حتى إذا ما قسم لهن اختياراً استبشرن به، وحملن جميلته
في ذلك واعترفن بمنته عليهن في إبقاءه على القسمة، وقد أبقى رسول الله- صلى الله
عليه وسلم- على هذه القسمة وكان يقول: (( اللهم هذا
فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)) .
وظل على هذا إلى مرض موته عليه السلام ولم يُطبب في بيت عائشة إلا بعد أن جمع أزواجه واستأذنهن في ذلك.
والآيات في سورة التحريم تتضمن معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم, في قوله
تعالى: (( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ
أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ
عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ
أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ)) (التحريم:3).
والحديث الذي أسره النبي لزوجته حفصة هو تحريمه ماريا وأكل العسل على نفسه, فلما
أنبأت حفصة عائشة بذلك أطلعه الله تعالى على ما دار بينهما، فأخبرها رسول الله- صلى
الله عليه وسلم- ببعض ما وقع منها وأعرض عن بعض بكرم خلقه فتعجبت وقالت من أنبأك
هذا ؟!! قال - صلى الله عليه وسلم- نبأني العليم الخبير.
فما الذي يعترض عليه الحاقدون، وقد قالت أم المؤمنين عائشة:
(( والله ما مست يد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-
امرأة لا تحل له)).
وأين ما ذكرناه من سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- العطرة التي نُقلت إلينا
كاملة ساطعة البياض من سير داوود الذي زنى بامرأة جاره، ولوط الذي زنى بابنتيه، أو
يهوذا الذي زنى بأرملة ابنه وإبراهيم الذي أراد استغلال عرض زوجته ليكون له من
وراءها خير كثير!! وألقى بإحدى زوجاته في الصحراء إرضاءً لأخرى !!.
الرد على شبهة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-
طلق سودة لأنها أسنت:
اعترضوا بأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- طلق أم المؤمنين سودة لمجرد أنها أسنت،
واستدلوا استدلال خاطئ بما جاء في الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث هِشَام بْن عُرْوَة
عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ: (( لَمَّا
كَبِرَتْ سَوْدَة بِنْت زَمْعَة وَهَبَتْ يَوْمهَا لِعَائِشَة فَكَانَ النَّبِيّ-
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْسِم لَهَا بِيَوْمِ سَوْدَة، وَفِي صَحِيح
الْبُخَارِيّ عن عروة قال: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه فِي سَوْدَة وَأَشْبَاههَا
وَإِنْ اِمْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا وَذَلِكَ أَنَّ
سَوْدَة كَانَتْ اِمْرَأَة قَدْ أَسَنَّتْ فَفَزَعتْ أَنْ يُفَارِقهَا رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَنَّتْ بِمَكَانِهَا مِنْهُ وَعَرَفَتْ
مِنْ حُبّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَة وَمَنْزِلَتهَا
مِنْهُ فَوَهَبَتْ يَوْمهَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لِعَائِشَة فَقَبلَ ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)).
قلت بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: إن زواج رسول الله - صلى الله
عليه وسلم- من سودة رضي الله عنها كان من الأساس زواج رحمة ورأفة لا زواج رغبة، فقد
تزوجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهي في السادسة والستين من عمرها وكانت قد
أسلمت مع زوجها، وهاجرا إلى الحبشة فراراًً من أذى الجاهلين من قريش، ومات بعد أن
عادا وكان أهلها لا يزالون على الشرك فإذا عادت إليهم فتنوها في دينها فتزوجها رسول
الله- صلى الله عليه وسلم- لحمايتها من الفتنة ولكن بعد زمن وصلت أم المؤمنين إلى
درجة من الشيخوخة يصعب معها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن يعطيها كامل
حقوقها فأراد تطليقها أيضاً رأفةً بها كي لا يذرها كالمعلقة (وكي لا يأتي الجهال
في عصرنا ويقولوا أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- لم يكن يعدل بين أزواجه) فقالت
رضي الله عنها (فإني قد كبرت ولا حاجة لي بالرجال ولكنى أريد أن اُبعث بين نسائك
يوم القيامة) فأنزل الله تعالى: (( وَإِنِ امْرَأَةٌ
خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن
يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ
وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً))
(النساء:128).
وعلمتنا هذه الآية المباركة أن إذا امرأة خافت من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها
فلها أن تسقط عنه بعض حقوقها، سواءً نفقة أو كسوة أو مبيت، وله أن يقبل ذلك، فلا
حرج عليها في بذلها ذلك له ولا حرج عليه في قبوله, فراجعها رسول الله - صلى الله
عليه وسلم- و كان يحسن إليها كل الإحسان.
الرد على شبهة أن رسول الله (ص) طلق إحدى زوجاته لأنه
وجد فيها
بياض:
ذكر الطبراني وغيره عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من أهل
البادية فرأى بها بياضا ففارقها قبل أن يدخل بها، وكالعادة اعترض النصارى
!!!!!!!!!
قلت بعد الحمد لله والصلاة و السلام على رسول الله: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (( خير النساء من إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا أقسمت غليها أبرتك وإذا غبت حفظتك في نفسها ومالك)).
ومن هذا الحديث الشريف نجد أن من حقوق الزوج أن يتزوج امرأة يسره النظر إليها، وتكون على خلق ودين, ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- كانت معظم زيجاته كما هو معلوم لأغراض إنسانية بحته، وهو لم يعدد الزوجات إلا بعد الخمسين، ولكن هذا لا يمنع أنه كان رجل جميل الخُلق والخلق، وعندما تزوج هذه المرأة كان يسره النظر إليها ولكنه وجد فيها هذا العيب الجلدي الذي نفره منها نفرة شديدة، وكانت قد أخفته عليه فمتّعها وردها إلى بيت أهلها قبل أن يمسها، ولم تكتمل هذه الزوجة فما الحرج في ذلك؟!!
وعندما خطب المغيرة بن شعبة امرأة فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقال عليه الصلاة والسلام: (( اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)) .
أي تدوم بينكم المودة والعشرة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يتزوج يرسل بعض النسوة ليتعرفن ما قد يخفى من العيوب، فيقول لها: (( شمي فمها, شمي إبطيها....)) .
فمن هذه الأحاديث الطيبة نجد أن رسول الله قد سنّ لنا ما إن فعلناه كان سبباً في استمرار المحبة والمودة وحسن المعاشرة, والإسلام دين واقعي فهو يعطي كل ذي حق حقه، وهل يعقل أن يطالب إنسان بأن يستمر في معاشرة امرأة وجد منها ما ينفره؟؟ أو تستمر امرأة في معاشرة رجل وجدت منه ما ينفرها؟؟ الإجابة هي بالطبع لا, والحياة الزوجية في الإسلام شعارها المعاشرة بالمعروف أو التسريح بإحسان، وإن لم تقم الحياة بين الزوجين على الصدق والمودة والرضا قامت على نفاق أو إكراه !!
وهذا لا وجود له في دين الله, فالإسلام وإن كان يحث على الصبر كما قال رسول الله -
صلى الله عليه وسلم-: (( لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره
منها خلقاً رضي منها أخر)).
إلا أن هناك أشياء قد لا يطيقها الإنسان ويشتد نفوره منها، مما قد يذهب بأسس المودة وأداء الحقوق، لذا فالإسلام هنا يرخص بالطلاق كما ورد في البخاري عن ابن عباس قال: (( جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام ( تعنى كفران العشير) فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لثابت: إقبل الحديقة وطلقها)).
أما الحال عند النصارى فهو مأساة تشريعية بمعنى الكلمة، وكثير منهم يستنجدون بالشريعة الإسلامية، فالكنيسة المظلمة لا تكاد تبيح الطلاق إلا في أضيق الحدود كحال الزنى أو تغيير الدين، أما الكاثوليك فلا طلاق عندهم أساساً، ولكن انفصال جسدي !! وكثير من النصارى البائسين الذين لم يوفقوا في اختيار شريكات الحياة يلجئون إلى الحيل، ويغيرون مللهم ليحصلوا على حرياتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأنا أذكر هنا قصة من التراث النصراني وهو ما حدث مع فيليب أغسطس أحد أشهر ملوك
الحملات الصليبية الذي كان قد تزوج الأميرة الدنماركية( إنجبورج) ولم يشعر معها بأي
سعادة فهجرها، واستغرق عام كامل في إقناع مجلس الأساقفة حتى يحصل على الطلاق، ولكن
البابا سلستين الثالث أبى أن يوافق على هذا, فتحدى فيليب البابا وتزوج (أنى)
الميرانية فحرمة سلستين!! ولكن فيليب ظل على موقفه وقال ( خير لي أن أفقد نصف
أملاكي من أن أفارق أنى) وأمره أنو سنت الثالث أن يرجع انجبورج، فلما رفض حرمه من
كثير من حقوقه، فقال في حسرة ( ما أسعد صلاح الدين ليس فوقه بابا يتحكم في حياته)
وهدد باعتناق الإسلام، وواصل كفاحه دفاعاً عن المرأة التي أحبها أربع سنين، ولكن
الشعب انضم إلى الكنيسة في الضغط علي خوفاً من عذاب النار الذي هدد به البابا!!
فطرد فيليب زوجته أنى ولكنه أبقى إنجبورج محبوسة في إيتامب حتى عام 1202 بعد أن قضت
أفضل سنين عمرها في هذا الجحيم، وكل ذلك بسبب الفهم النصراني المتطرف للزواج .
الرد على شبهة موت الرسول صلى الله عليه وسلم متأثرا بسم
الشاة:
اعترض النصارى على افتخار المسلمين بأن الله قد جمع للنبي الكريم - صلى الله عليه
وسلم- الشهادة إلى سائر فضائله فمات متأثراً بسم الشاة التي أهدته إياها امرأة
يهودية يوم خيبر, على أساس أن ذلك يتنافى مع عصمته ( صلوات الله وسلامه عليه) وذلك
يرجع إلى جهلهم بالمعاني الشرعية، فعصمة رسول الله قد تمت كما وعده ربه عز وجل لأن
هذه العصمة هدفها تمكينه من تبليغ الرسالة، وهي مقترنة بها كما قال تعالى:
(( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ
إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ))
( المائدة:67)
وذلك قد حدث بنعمة الله, فإذا ما بلغ الرسول الأمين الرسالة فهو بلا شك عائدٌ إلى
ربه، وأفضل الموت ما كان في سبيل الله، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:
(( تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهادا في
سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى
مسكنه الذي خرج منه، نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده! ما من
كلم يكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم وريحه
مسك، والذي نفس محمد بيده! لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في
سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعة فأحلهم، ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني،
والذي نفس محمد بيده! لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو
فأقتل )).
لما علم من أجر الشهيد، فقدّر الله له هذه الوفاة الطيبة لتكتمل فضائله عليه السلام, والله تعالى يقول: (( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ)) (الزمر:30).
ويقول: (( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ )) (آل عمران:144).
ويقول: (( كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ )) (الأنبياء:35) .
وقصة شاة خيبر هي من شمائل نبوته ودلائل عصمته لو كانوا يعلمون فقد روى ابن كثير عن
ابن إسحاق قال:- لما أطمأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أهدت له امرأة يهودية
شاة مصلية وقد سألت أي عضو أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم-؟ فقيل لها
الذراع فأكثرت من السم فيها, ثم سممت الشاة ثم جاءت بها, فلما وضعتها بين يديه
تناول الذراع فلاك منها مضغة لم يسغها ومعه بشر بن براء قد أخذ منها كما أخذ رسول
الله- صلى الله عليه وسلم- فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله- صلى الله عليه وسلم-
فلفظها ثم قال: (( إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم))
.
( وهذا من معجزاته عليه الصلاة والسلام )، ثم دعا بها فاعترفت, فقال: (( ما حملكِ على ذلك؟" قالت بلغني ما لم يخف عليك فقلت إن كان كذّابا