أ. د. عماد الدين خليل
هل نستطيع ونحن نعيش ذكريات الهجرة النبوية الشريفة سنة بعد أخرى، أن نجعل حلقات السيرة حقلاً للاكتشاف؟ أن نجتاز دروبها وساحاتها فتمنحنا الدهشة والإعجاب، وتفجرّ في عقولنا وأرواحنا جداول الحب.. والعشق.. واليقين.. أن تكهرب أوصالنا، بمفرداتها المتألقة، فتضعنا وجهاً لوجه قبالة الحقائق الإنسانية العارية التي لم يرِن عليها صدأ، ولا اعتراها زيف أو تزوير؟
في علم الجمال.. معروف أن الإلف والاعتياد يقتلان الدهشة، ويطمسان على ألق الحقائق والتجارب والأشياء، نتفقد بمرور الوقت قدرتها على الإثارة والانبهار..
إن (
كاستون ياشلار ) ـ مثلاًـ في "جماليات المكان " يؤكد على هذا المعنى المرة تلو
المرة .. ويسحبه "كويّو" و"لانجر" و"سانتايانا" و"كاسيرر" و"مارلو" و"ميرلوبونتي"
وغيرهم من علماء الجمال وفلاسفته، على ظواهر الطبيعة والخبرات البشرية كافة.
فماذا لو حاولنا كسر الطوق، وتجاوزنا حصار الإلف والعادة، وتسطحّها باتجاه العودة
كرّة أخرى إلى مواقع الدهشة والإعجاب والانبهار؟
ومن يدري .. فلعل أولئك الذين أخذوا يتعاملون مع مفردات السيرة من الخارج.. من خارج
دائرة الإسلام، لم يكونوا بحاجة إلى بذل جهد كهذا.. ووجدوا أنفسهم يقفون بعفوية
بالغة، وجهاً لوجه، أمام حقائق هذه السيرة في صفائها العجيب، وقدرتها الفذّة على
التأثير.
فماذا لو وقفنا عبر الصفحات التالية عند اثنين فحسب من هؤلاء وحسبما يتيحه المجال،
لمتابعة بعض ما قالاه، وهو كثير غزير .. وها هما يعانيان التجربة فتدهشهما حقائقها
المتألقة، وتأسرهما مقولاتها الربانية، وشخصيته نبيّها الإنسان:
الدكتور نظمي لوقا من أقباط مصر..؟
ونصري سلهب من مسيحيي لبنان؟
ولكل من
الرجلين أكثر من كتاب عن جوانب من حياة الرجل النبي الذي قدّر له أن يقلب موازين
العالم ويغيّر خرائط الدنيا..
(محمد الرسالة والرسول) و (محمد في حياته الخاصة) لنظمي لوقا (لقاء المسيحية
والإسلام) و(في خُطا محمد) لنصري سلهب، ومن هذه الكتب الأربعة سنقتبس بعض المقاطع :